ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)
ذكروا بآيات ربهم بأن تليت عليهم آياته إن كانت متلوة أو ذكروا بآية كونية في خلقه السماوات والأرض، وإبداعه في خلق الإنسان (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) الخرور في اللغة يطلق على السقوط الذي يكون صوتا أو النزول من أعلى إلى أسفل نسبيا بصوت، كخرور الماء فإنه نزول من مكان يعلو نسبيا إلى ما دونه، والخرور قد يكون معنويا بالسجود للَّه تعالى: (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) وإن خرور السجود حسي معنوي، فهو ينزل ساجدا للَّه تعالى فيلتقي فيه الخرور الحسي والخرور المعنوي.
ومعنى النص السامي أنهم إذا ذُكِّروا بآيات اللَّه تعالى: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) والصمم والعمى هنا يراد به عدم الاعتبار بالآيات، فكأنهم صم لم يسمعوا، أو عميان لم يروا، وهذه أخلاق المشركين فهم الذين يخرون كالصم والعمى لَا يعتبرون ولا يدركون، وليس المواد وصف المشركين بهذا الوصف السلبي، فقط، بل إنه وصف المؤمنين عباد الرحمن بأنهم على نقيض وصف الظالمين يخرون سجدا وبكيا، فهم ليسوا كأخلاق هؤلاء لَا يعتبرون، بل يعتبرون ويخرون للَّه في كل آية يسمعونها، وفي كل عبرة يعتبرونها، وينظرون إلى خلق اللَّه تعالى نظرة مدركة مستبصرة مستهدية طالبة الرشاد، فهذا النص يشتمل على نفي الحال التي يكون عليها المشركون، فهم لَا يخرون صما وعميانا، بل يخرون ناظرين مدركين متفهمين، كقول العرب: مثلك لَا يبخل، فالمراد به في كلام العرب: أنت لَا تبخل.
وهنا إشارة بيانية نذكرها، وهي أن اللَّه تعالى يقول: لَا يخرون صما وعميانا بنفي الخرور، وفي ذلك إشارة إلى أن الآيات التي تتلى أو توجه الأنظار في المخلوقات من شأنها أن تجعل من يتأملها ويسمعها أن تجعله يخر خرورا لوضوح إعجازها ودلالتها، لكن عباد الرحمن يخرون سجدا وبكيا، والكافرون يخرون صما وعميانا.

صفحة رقم 5323

ذكر اللَّه تعالى بعد ذلك وصفا يدل على إخلاص قلوبهم لمن يجيء بعدهم من ذرياتهم، إذ يريدون أن تمتد التقوى في أعقابهم من بعدهم، فيقول سبحانه

صفحة رقم 5324

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية