ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

الصفة الحادية عشرة :
" والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ".
( سورة الفرقان : الآية ٧٣ )
المناسبة :
لما وصفهم فيما تقدم بإعراضهم عن الباطل، ومجانبتهم لأهله، وبعدهم عنه، وصفهم هنا بإقبالهم على الحق، وإكبابهم عليه، متفهمين مستبصرين.
الألفاظ :
( ذكروا ) : وعظوا ونبهوا. ( بآيات ربهم ) هي آيات القرآن وفيها التذكير بآيات الأكوان١ التي ترى بالعيان.
( الخرور ) : هو السقوط كسقوط الساجد، ( الأصم ) فاقد حاسة السمع، أو الذي لا يتدبر ما يسمع فلا ينتفع به، وهو المراد هنا.
و ( الأعمى ) : فاقد حاسة البصر، أو الذي لا يعتبر فيما يبصر فلا ينتفع به، ويكون الأعمى بمعنى فاقد الإدراك و هو عمى البصيرة، وما هنا يحتمل الوجهين الأخيرين.
التراكيب :
عبر ( بإذا ) لأن التذكير مما هو واقع محقق٢كالذي يسمع من القرآن في الصلاة ومن الخطب في الجمع.
و بنى الفعل للنائب لأن التذكير بالآيات يجب قبوله من أي مذكر كان.
و ( صما وعميانا ) : حال من الواو ضمير الجماعة في لم يخروا، والنفي٣ منصب على الحال التي هي قيد في الكلام.
وإذا كان الكلام مقيدا بقيد كما هنا، فإن النفي ينصب على ذلك القيد في غالب الاستعمال العربي. ونظيره : ما رأيت زيدا راكبا نفيا للركوب لا للرؤية. ولا يلقاني مسلما نفيا للسلام لا للقاء.
فلم ينف عنهم الخرور، وإنما نفى عنهم الصمم والعمى عند الخرور.
المعنى :
ومن صفات عباد الرحمن : أنهم إذا ذكرهم مذكر بآية ربهم التي أنزلها على نبيهم – صلى الله عليه وآله وسلم - بما فيها من ذكر مخلوقاته وإنعاماته، و أيامه في أوليائه وأعدائه، ووعده ووعيده، وترغيبه وترهيبه – أقبلوا عليها، وأكبوا على سماعها، بآذان واعية، وأبصار راعية، و قلوب حاضرة، و عقول متدبرة. لا كمن يقبلون عليها و يكبون على سماعها، ولكنهم لا يسمعون و لا يبصرون، لأنهم لا يعقلون ولا يتدبرون٤
عموم الحاجة للتذكير :
المذكر وما به التذكير :
بعد ما ذكر تعالى من صفات عباد الرحمن ما ذكر.. ذكر استماعهم للتذكير، تنبيها على أن التذكير محتاج إليه في كل حال، فإذا كان الموصوفون بتلك الصفات يحتاجون إليه فغيرهم أولى، وذلك لأن الغفلة من طبع الإنسان، ودوام الغفلة صدأ القلوب، و صقالها هو التذكير.
قبول التذكير من كل مذكر :
كما تقبل كلمة الحق من كل قائل، كذلك يقبل التذكير من كل مذكر، ولو كان المذكر من أكمل العباد، والمذكر من أوساطهم، أو أدناهم.
وفي عباد الرحمن المذكورين في استماعهم إذا ذكروا من أي مذكر – القذوة الحسنة.
ما يكون به التذكير :
قال الله تعالى :" فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي "، " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر "، " وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا "
فالتذكير بآيات القرآن والأحاديث النبوية، هذا هو التذكير المشروع المتبوع، والدواء الناجع المجرب. ولذلك تجد مواعظ السلف كلها مبنية عليه راجعة إليه. والنصح لله ولرسوله وللمسلمين في لزوم ذلك والسير عليه.
أقسام الناس عند التذكير :
ثنائيات :
الناس عند تلاوة آيات القرآن على قسمين :
( أ ) معرضين. ( ب ) ومقبلين.
فالمعرضون غير المؤمنين.
والمقبلون على قسمين :
( أ ) مقبلين بظاهرهم دون باطنهم.
( ب ) ومقبلين بظاهرهم وباطنهم.
فالمقبلون بظاهرهم دون باطنهم هم المنافقون.
والمقبلون بظاهرهم وباطنهم على قسمين :
( أ ) مستمعين، مستبصرين، حاضرين متدبرين.
( ب ) وغافلين غير متدبرين غير سامعين ولا مبصرين.
والأقسام كلها مذمومة إلا قسم المقبلين بظواهرهم و بواطنهم، المستمعين المستبصرين. وهذا القسم هو الذي وصف به عباد الرحمن، فكانوا مباينين لأهل الإعراض من الكافرين والمنافقين، ولأهل الغفلة، وعدم التدبر من المؤمنين.
تحذير وتنبيه :
قد صورت الآية حالة المؤمن بالقرآن الذي ينكب عليه، ويتلقاه بالقبول، ثم لا يتفهمه و لا يتدبره، بحالة الأصم الأعمى في عدم انتفاعه بما انكب عليه، تقبيحا لعدم التفهم والتدبر من المؤمن للآيات، وتحذيرا منه وتنبيها على أن الانتفاع بالقرآن الذي تتفتح به البصائر، وتتسع به المدارك، وتتهذب به الأخلاق، وتتزكى به النفوس، وتتقوم به الأعمال، وتستقيم به الأحوال إنما يكون بتفهمه، وتدبره، دون مجرد الانكباب عليه بلا تفهم ولا تدبر.
أمر وإرشاد :
الآيات الدالة على طلب التدبر والتفهم لآيات القرآن العظيم كثيرة، منها الآية المتقدمة، ومنها قوله تعالى :" كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولو الألباب ".
صدق النية سبب الفتح
فعلينا أن نحضر قلوبنا عند سماعها، ونستعمل عقولنا غي فهمها، ونحمل أنفسنا على الاتعاظ بها، فإذا صدقت النية وأخلص التوجه فتح على العبد من وجوه العلم والعمل – بإذن الله – بما لم يكن له في بال.
وإن الله وصف هذا الكتاب بأنه مبارك ؛ لزيادة خيراته وتيسيره للذاكرين – ترغيبا لنا في فهمه وتدبره، واستنزال الخيرات واستزادة البركات منه.
فأقبل – يا أخي – على القرآن : على استماعه، وعلى تفهمه والزم ذلك حتى يصير عادة لك وملكة فيك.. تر من فضل الله وإقباله عليه ما يدنيك – إن شاء الله – و يعليك، و يعود بالخير الجزيل عليك.
والله نسأل لنا ولكم الإقبال على الله بتلاوة وتدبر كتابه، والتأدب بجميع آدابه، حتى نحشر في زمرة أحبابه، بمنه وكرمه آمين.

١ كالجبال والأنهار والسماء والأرض....
٢ والتعبير بإذا لتحقق الوقوع، بخلاف إن فهي للشك فيه..
٣ النفي في لم يخروا..
٤ أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير