وجملة وَأَلْقِ عَصَاكَ معطوفة على بورك ، وفي الكلام حذف، والتقدير فألقاها من يده فصارت حية فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ قال الزجاج : صارت العصا تتحرك كما يتحرّك الجانّ، وهي الحية البيضاء، وإنما شبهها بالجانّ في خفة حركتها، وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها، وجمع الجانّ جنان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. وقال الكلبي : لا صغيرة ولا كبيرة ولى مُدْبِراً من الخوف وَلَمْ يُعَقّبْ أي لم يرجع، يقال عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب، وقيل لم يقف، ولم يلتفت. والأوّل أولى ؛ لأن التعقيب هو الكرّ بعد الفرّ.
فلما وقع منه ذلك قال الله سبحانه : ياموسى لاَ تَخَفْ أي من الحية وضررها إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون أي لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي فلا تخف أنت. قيل ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات، بل في وقت الخطاب لهم ؛ لأنهم إذ ذاك مستغرقون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور ربّ العالمين في الشجرة وَمَنْ حَوْلَهَا يعني الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : كان الله في النور نودي من النور وَمَنْ حَوْلَهَا قال : الملائكة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً قال : ناداه الله وهو في النور. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضاً أَن بُورِكَ مَن فِي النار قال : بوركت النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : في مصحف أبيّ بن كعب : بوركت النار ومن حولها ، أما النار فيزعمون أنها نور ربّ العالمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أَن بُورِكَ قال : قدّس. وأخرج عبد بن حميد وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» ثم قرأ أبو عبيدة أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا وسبحان الله رَبّ العالمين . والحديث أصله مخرّج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانت على موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، فقال له : أدخل يدك في جيبك فأدخلها. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً قال : تكبرا وقد استيقنتها أنفسهم، وهذا من التقديم والتأخير.