قوله: مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد : هذا استفهامُ توقيفٍ، ولا حاجةَ إلى ادِّعاء القَلْب، وأنَّ الأصلَ: ما للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قويٌّ دونه. والهُدْهُدُ معروفٌ. وتصغيره على هُدَيْهِد وهو القياس. وزعم بعضُ النحويين أنه تُقْلَبُ ياءُ تصغيره ألفاً، فيقال: هُداهِد. وأنشد:
| ٣٥٥٣ - كهُداهِدٍ كَسَرَ الرماةُ جناحَه | يَدْعو بقارعةِ الطريق هَدِيْلا |
قوله: أَمْ كَانَ هذه «أم» المنقطعةُ وقد تقدَّم الكلامُ فيها. وقال ابن عطية: «قوله مالي لا أرى الهدهد» مَقْصَدُ الكلامِ: الهُدْهُدُ غاب، ولكنه أَخَذَ اللازمَ عن مُغَيَّبِه: وهو أَنْ لا يَراه، فاستفهم على جهةِ التوقُّفِ عن اللازمِ، وهذا ضَرْبٌ من الإِيجاز. والاستفهامُ الذي في قوله: «مالي» نابَ منابَ الألفِ التي تحتاجُها «أم». قال الشيخ: «فظاهرُ كلامِه أنَّ» أم «متصلةٌ، وأن الاستفهامَ الذي في قوله» مالي «ناب منابَ ألفِ الاستفهام. فمعناه: أغاب عني الآن فلم أَرَهُ حال التفقُّد أم كان مِمَّنْ غابَ قبلُ، ولم أَشْعُرْ بغَيْبَتِه؟». قلت: لا يُظَّنُّ بأبي محمد ذلك، فإنه لا يَجْهَلُ أنَّ شَرْطَ المتصلةِ تَقَدُّمُ همزةِ الاستفهامِ أو التسويةِ لا مطلقُ الاستفهامِ.
صفحة رقم 592الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط