مادة : فقد الفاء والقاف والدال، وكل ما يشتق منها تأتي بمعنى ضاع منه الشيء، ومنه قوله تعالى في قصة إخوة يوسف : قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ٧١ ( يوسف )، فإن جاءت بصيغة ( تفقد ) بالتضعيف دلت على أن الشيء موجود وأنا أبحث عنه في مظانه.
فمعنى تفقد الطير... ٢٠ ( النمل ) أن الرئيس أو المهيمن على شيء لا بد له من متابعته، وسليمان- عليه السلام- ساعة جلس في مجلس العلم أو مجلس القضاء نظر للحاضرين من مملكته، كأنه القائد يستعرض جنوده، وفي هذا إشارة إلى أنه- عليه السلام- مع أنه هذا ملكه ومسخر له ومنقاد لأمره، إلا أنه لم يتركه هملا دون متابعة.
لكن، لماذا تفقد الطير بالذات ؟ قالوا : لأنه أراد أن يقوم برحلة في الصحراء، والهدهد هو الخبير بهذه المسألة ؛ لأنه يعلم مجاملها، ويرى حتى الماء في باطن الأرض١، يقولون : كما يرى أحدكم الزيت في وعائه.
لذلك نرى أن من مميزات الهدهد أن الله تعالى جعل له منقارا طويلا ؛ لأنه لا يأكل مما على سطح الأرض، إنما ينبش بمنقاره ليخرج طعامه من تحت الأرض.
ألا تراه حين كلم سليمان في دقائق العقيدة والإيمان بالله يقول عن أهل سبأ : ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء ٢ في السماوات والأرض... ٢٥ ( النمل ) فاختار هذه المسألة بالذات ؛ لأنه الخبير بها ورزقه منها.
ولما لم يجد الهدهد في الحاضرين : فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان الغائبين٢٠ ( النمل ) فساعة يستفهم الإنسان عن شيء يعلم حقيقته، فإنه لا يقصد الاستفهام، إنما هو يستعبد أن يتخلف الهدهد عن مجلسه.
لذلك قال ما لي لا أرى الهدهد... ٢٠ ( النمل ) يعني : ربما هو موجود، لكني لا أراه لعلة عندي أنا، فلما دقق النظر وتأكد من خلو مكانه بين الطيور، قال أم كان من الغائبين ٢٠ ( النمل ) إذن : لا بد من معاقبته : لأعذبنه عذابا شديدا أولأ ذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين٢١
٢ الخبأ: الشيء المخبوء. والخبء كل ما غاب، وكل شيء غائب مستور.(لسان العرب- مادة: خبأ)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي