تفسير المفردات : الكتاب : هو علم الوحي والشرائع، والذي عنده علم هو سليمان عليه السلام كما اختاره الرازي وقال إنه أقرب الآراء، يرتد : أي يرجع، والطرف : تحريك الأجفان والمراد بذلك السرعة العظيمة، مستقرا : أي ساكنا قارا على حاله التي كان عليها، الفضل : التفضل والإحسان، ليبلوني : أي ليعاملني معاملة المختبر، أم أكفر أي أقصر في أداء واجب الشكر، كفر أي لم يشكر. أ
المعنى الجملي : استبان مما سلف أن سليمان رفض قبول الهدايا وتهدد الرسول بأن قومه وملكتهم إن لم يأتوا إليه طائعين خاضعين فسيوجه إليهم جيشا جرارا ينكل بهم أشد التنكيل، يقتل من يقتل ويأتي بالباقين أسارى وهم صاغرون، ويجليهم جميعا عن الديار والأوطان، ويأخذ أموالهم غنائم له - وهنا ذكر أنهم خافوا تهديده، واستجابوا لدعوته، فتوجهت الملكة وأشراف قومها إليه، لكن سليمان رأى حين قربت من الوصول إليه أن يحضر سرير ملكها قبل مقدمها، ليكون في ذلك دلالة على قدرة الله وإثبات نبوته وتتظاهر عليها الأدلة من كل أوب، فسأل أعوانه : أيكم يستطيع أن يحضره قبل وصولها إلينا، فأجابه عفريت من الجن بأن في استطاعته أن يحضره قبل قيامه من مجلس الحكم والقضاء، فقال هو : بل أنا آتيكم به كلمح البصر، وقد كان كما قال : فرأى العرش حاضرا أمامه فشكر ربه على ما آتاه من النعم العظام الذي لا يستطيع إيفاء حقها من الشكر.
وعلينا أن نؤمن بما جاء في الكتاب الكريم على أنه معجزة لسليمان، إذ هو لا ينطبق على السنن العادية التي وضعها ربنا لخلقه، فعلم البشر إلى الآن لم يصل إلى تحقيق ذلك عمليا مع تقدم سبل الانتقال، فالطائرات على سرعتها التي أدهشت العقول لا تستطيع أن تسافر من جنوب اليمن إلى أطراف الشام في مثل تلك اللحظات الوجيزة.
الإيضاح : قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك أي قال سليمان للعفريت متحدثا بنعمة الله وعظيم فضله عليه : أنا أفعل ما لا تستطيع أنت، أنا أحضره في أقصر ما يكون مدة، أنا أحضره قبل ارتداد طرفك إليك، وقد كان كما قال :
فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر أي فلما رآه سليمان ساكنا ثابتا على حاله لم يتبدل منه شيء ولم يتغير وضعه الذي كان عليه قال هذا تفضل من الله ومنة ليختبرني : أأشكر بأن أراه فضلا منه بلا قوة مني أم أجحد فلا أشكر بل أنسب العمل إلى نفسي ؟
وإن النعم الجسمية والروحية والعقلية كلها مواهب يمتحن الله بها عباده، فمن ضل بها هوى، ومن شكرها ارتقى، وهذا ما عناه سبحانه بقوله :
ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم أي ومن شكر ففائدة الشكر إليه، لأنه يجلب دوام النعمة، ومن جحد ولم يشكر فإن الله غني عن العباد وعبادتهم، كريم بالإنعام عليهم وإن لم يعبدوه، كما قال : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ( فصلت : ٤٦ ) وقال : وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ( إبراهيم : ٨ ) وروى مسلم قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه :" يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ".
تفسير المراغي
المراغي