ثم تكلم آخر لم يحدده القرآن إلا بالوصف(٣) :
قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقر عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم٤٠ :
الطرف : الجفن الأعلى للعين.
تكلم العلماء في هذه الآية : أولا : قالوا الكتاب... ٤٠ ( النمل ) يراد به اللوح المحفوظ، يعلم الله تعالى بعض خلقه أسرارا من اللوح المحفوظ، أما الذي عنده علم من الكتاب فقالوا(٤) : هو آصف بن برخيا، وكان رجلا صالحا أطلعه الله على أسرار الكون.
وقال آخرون(٥) : بل هو سليمان عليه السلام، لما قال له العفريت أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك... ٣٩ ( النمل ) قال هو : أنا آتك به قبل أن يرتد إليك طرفك... ٤٠ ( النمل ) لأنه لو كان شخصا آخر لكان له تفوق على سليمان في معرفة الكتاب.
لكن ردوا عليهم بأن من عظمة سليمان أن يعلم أحد رعيته هذا العلم، فمن عنده علم من الكتاب بحيث يأتي العرش قبل طرفة عين هو خادم في مملكة سليمان ومسخر له، كما أن المزايا لا تقتضي الأفضلية، وليس شرطا في الملك أن يعرف كل شيء، وإلا لقلنا للملك : تعال أصلح لنا دورة المياه.
أما نحن فنميل إلى أنه سليمان عليه السلام.
وفرق كبير في القدرات بين من يأتي بالعرش قبل أن يقوم الملك من مجلسه، وبين من يأتي به في طرفة عين، ونقل العرش من مملكة بلقيس إلى مملكة سليمان يحتاج إلى وقت وإلى قوة.
والزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا : فكلما زادت القوة قل الزمن، فمثلا حين تكلف الطفل الصغير بنقل شيء من مكانه إلى مكان ما، فإنه يذهب إليه ببطء ويحمله ببطء حتى يضعه في مكانه، أما الرجل فبيده وفي سرعة ينقله، وهذه المسألة نلاحظها في وسائل المواصلات، ففرق بين السفر بالسيارة، والسفر بالطائرة، والسفر بالصاروخ مثلا.
وهذه تكلمنا عنها في قصة " الإسراء والمعراج " فقد أسري برسوله الله صلى الله عليه وسلم بهذه السرعة ؛ لأن الله تعالى أسري به، ونقله من مكان إلى مكان ؛ لذلك جاءت الرحلة في سرعة فوق تصور البشر.
وما دام الزمن يتناسب مع القوة، فلا تنسب الحدث إلى رسول الله، إنما إلى الله، إلى قوة القوى التي لا تحتاج إلى زمن أصلا، فإن قلت : فلماذا استغرقت الرحلة ليلة وأخذت وقتا ؟ نقول : لأنه صلى الله عليه وسلم مر بأشياء، ورأى أشياء، وقال، وسأل، وسمع، فهو الذي شغل هذا الوقت، أما الإسراء نفسه فلا زمن له.
لذلك قبل أن يخبرنا –تبارك وتعالى – بهذه الحادثة العجيبة قال : سبحان الذي أسرى بعبده... ١ ( الإسراء ) أي : نزهه عن مشابهة غيره، كذلك مسألة نقل العرش في طرفة عين لا بد أن من فعلها فعلها بعون من الله وبعلم أطلعه الله عليه، فنقله بكن التي لا تحتاج وقتا ولا قوة، وما دام بإرادة الله وقوته وإلهامه فلا نقول إلا : آمين.
وفي قوله للجن : أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك... ٤٠ ( النمل ) تحد لعفريت الجن، حتى لا يظن أنه أقوى من الإنسان، فإن أراد الله منحنى من القوة ما أتفوق عليك به، بل وأسخرك بها لخدمتي.
ومن ذلك قوله سبحانه عن تسخير الجن : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب (٦) وقدور راسيات... ١٣ ( سبأ ).
وليعلموا أنهم جهلاء، ظلوا يعلمون لسليمان وهو ميت ومتكئ على عصاه أمامهم، وهم مرعوبون خائفون منه.
والتحدي قد يكون بالعلو، وقد يكون بالدنو، كالذي قال لصاحبه : أنا دارس باريس دراسة دقيقة، وأستطيع أن أركب معك السيارة وأقول لك : أين نحن منها، وأمام أي محل، وأنا مغمض العينين، فقال الآخر : وأنا أستطيع أن أخبرك بذلك بدون أن أغمض عيني.
وقوله : فلما رآه... ٤٠ ( النمل ) أي : العرش مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي... ٤٠ ( النمل ) إما لأنه أقدره على الإتيان به بنفسه، أو سخر له من عنده علم من الكتاب، فأتاه به، فهذه أو ذلك فضل من الله.
ليبلوني... ٤٠ ( النمل ) يختبرني أأشكر أم أكفر... ٤٠ ( النمل ) يعني : أشكر الله فأوفق في هذا الاختبار ؟ أم أكفر بنعمة الله فأخفق فيه ؟ لأن الاختبار إنما يكون بنتيجته.
والشكر بأن ينسب النعمة إلى المنعم وألا يلهيه جمال النعمة عن جلال واهبها ومسديها، فيقول مثلا : إنما أوتيته على علم عندي.
وقوله : ومن شكر فإنما يشكر لنفسه... ٤٠ ( النمل ) أي : أن الله تعالى لا يزيده شكرنا شيئا، فله- سبحانه وتعالى- صفات الكمال المطلق قبل أن يشكره أحد، فمن يشكر فإنما يعود عليه، وهو ثمرة شكره.
ومن كفر... ٤٠ ( النمل ) يعني : جحد النعمة ولم يشكر المنعم فإن ربي غني... ٤٠ ( النمل ) أي : عن شكره كريم٤٠ ( النمل ) أي : يعطي عبده رغم ما كان منه من جحود وكفر بالنعمة ؛ لأن نعمه تعالى كثيرة لا تعد، وهذا من حلمه تعالى ورأفته بخلقه.
لذلك لما نتأمل قوله تعالى : وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.... ٣٤ ( إبراهيم ) وقد تكررت هذه العبارة بنصها في آيتين من كتاب الله، مما جعل البعض يرى فيها تكرارا لا فائدة منه، لكن لو نظرنا إلى عجز كل منهما لوجدناه مختلفا :
فالأولى تختتم بقوله تعالى : إن الإنسان لظلوم كفور٣٤ ( إبراهيم ) والأخرى : إن الله لغفور رحيم١٨ ( النحل ).
إذن : فهما متكاملتان، لكل منهما معناها الخاص، فالأولى تبين ظلم الإنسان حين يكفر بنعمة الله عليه ويجحدها، وتضيف الأخرى أن الله تعالى مع ذلك غفور لعبده رحيم به.
كما نلحظ في الآية : وإن تعدوا... ٣٤ ( إبراهيم ) استخدم( إن ) الدالة على الشك ؛ لأن أحدا لا يجرؤ على عد نعم الله في الكون، فهي فوق الحصر ؛ لذلك لم يقدم على هذه المسألة أحد، مع أنهم بوسائلهم الحديثة أحصوا كل شي إلا نعم الله لم يتصد لإحصائها أحد في معهد أو جامعة ممن تخصصت في الإحصاء.
وهذا دليل على أنها مقطوع بالعجز عنها، كما لم نجد مثلا من تصدى لإحصاء عدد الرمل في الصحراء، كما نقف عند قوله سبحانه : نعمت الله... ٣٤ ( إبراهيم ) ولم يقل : نعم الله، فالعجز عن الإحصاء أمام نعمة واحدة ؛ لأن تحتها نعم كثيرة لو تتبعتها لوجدتها فوق الحصر.
تفسير الشعراوي
الشعراوي