جاء السؤال بهذه الصيغة أهكذا عرشك... ٤٢ ( النمل ) ليعمي عليها أمر العرش، وليختبر دقة ملاحظتها، فلو قال لها : أهذا عرشك ؟ لكان إيحاء لها بالجواب إنما أهكذا عرشك... ٤٢ ( النمل ) كأنه يقول : ليس هذا عرشك، فلما نظرت إليه إجمالا عرفت أنه عرشها، فلما رأت ما فيه من تغيير وتنكير ظنت أنه غيره ؛ لذلك اختارت جوابا دبلوماسيا يحتمل هذه وهذه، فقالت كأنه هو... ٤٢ ( النمل ) وعندها فهم سليمان أنها على قدر كبير من الذكاء والفطنة وحصافة الرأي.
وكذلك كلام الساسة والدبلوماسيين تجده كلاما يصلح لكل الاحتمالات ولأي واقع بعده، فإذا جاء الأمر على خلاف ما قال لك يسبق بالقول : ألم أقل لك كذا وكذا.
ومن ذلك ما قاله معاوية بن أبي سفيان للأحنف بن قيس١ : يا أحنف لماذا لا تسب عليا على المنبر كما يسبه الناس ؟ فقال الأحنف : اعفني يا أمير المؤمنين، فقال معاوية : عزمت عليك إلا فعلت، فقال : أما وقد عزمت علي فسأصعد المنبر، ولكني سأقول للناس : إن أمر المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا، فقولوا معي : لعنة الله. عندها قال معاوية : لا يا أحنف، لا تقل شيئا.
لماذا ؟ لأن اللعن في هذه الحالة سيعود على من ؟ على معاوية أو على علي ؟.
وتحكى قصة الخياط الأعور الذي خاط لأحد الشعراء جبة، فجاءت وأحد الكمين أطول من الآخر، فلم يستطع لبسها، فلما سألوه عن عدم لبس الجبة الجديدة أخبرهم بما حدث من الخياط فقالوا : أهجه، فقال :
قلت شعرا ليس يدري *** أمديح أم هجاء
خاط لي عمرو قباء *** ليت عينيه سواء
فالكلام يحتمل المعنيين : الدعاء له، والدعاء عليه. هذا هو الرد الدبلوماسي الذي يهرب به صاحبه من المواجهة.
وكذلك قالت بلقيس جوابا دبلوماسيا كأنه هو... ٤٢ ( النمل )أما وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ٤٢ ( النمل ) فيحتمل أن يكون امتدادا لقول بلقيس، يعني : أوتينا العلم من قبل هذه الحادثة، وعرفنا أنك نبي لما رددت إلينا الهدية، وقلت ما قلت، فلم نكن في حاجة إلى مثل هذه الحادثة لنعلم نبوتك.
ويحتمل أنها من كلام سليمان عليه السلام.
تفسير الشعراوي
الشعراوي