ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

تمهيد :
رفض سليمان هدية بلقيس، حيث إنه دعاها إلى الإسلام هي وقومها، فرغبت في مهادنته، بإرسال هدية أشبه برشوة، للمهادنة والسكوت عنهم، فرفض سليمان الهدية، وأنذرهم بالحرب، وكان لهذا الإنذار أثره، وقد تأكد لدى الملكة أن سليمان صادق في دعوته، ولديه من وسائل القوة ما يكفي للنصر، وقتل أعدائه وأسرهم، فأرسلت إليه تخبره بقدومها، مع أشراف قومها ورؤسائهم، وكانت الجن تخدم سليمان، وتخبره بتحرك بلقيس مع رؤساء قومها، فرغب سليمان أن يحضر عرش بلقيس، قبل أن تأتي وتظهر إسلامها.
٤٢- فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو..
أقبلت بلقيس من اليمن، وشاهدت عرشها وفيه بعض التغيير، وأما هذه الدهشة المحيرة أجابت إجابة مناسبة.
قالت كأنه هو..
هو يشبهه إلى درجة بعيدة، فلم تثبت ولم تنف.
واستطردت بلقيس فقالت :
وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين .
أي : أدركنا عظمة الله وفضله، وعلمنا قدرته وسلطانه العظيم، وعلمنا أن فضل الله على سليمان كان عظيما، حيث سخر له الطير والجن وقوى كونية : فأسلمنا وآمنا بالله تعالى ربا، وبسليمان رسولا.
والخلاصة : علمنا بالله ربا، وبسليمان رسولا، من قبل مشاهدة نقل هذا العرش أو تغيير أوصافه، وهذا رأي جمهور المفسرين، وبعضهم رأى أن الجملة من كلام سليمان، وتفيد أن الله أعطاه العلم والإسلام والنبوة، والفضل العظيم في تسخير قوى الكون، والرأي الأول أرجح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:خاتمة :
تبلورت قصة سليمان مع بلقيس في تلك الخاتمة المشرقة، وهي تبرؤ بلقيس من الشرك الذي كانت عليه، وإعلان إيمانها بالله الواحد الأحد، وإظهار إسلامها كإسلام سليمان، وخضوعها لله رب العالمين.
هل تزوج سليمان بلقيس ؟
يستطرد المفسرون في نهاية هذه القصة إلى قضية زواج سليمان عليه السلام من بلقيس قال الرازي : والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها، وليس لذلك ذكر في الكتاب، ولا في خبر مقطوع بصحته.
وذكر الرازي في تفسيره عن ابن عباس : أنها لما أسلمت قال لها سليمان : اختاري من قومك من أزوجك منه، فقالت : مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني، فقال : النكاح من الإسلام، فقالت : إن كان كذلك فزوجني ذا تبع، ملك همدان، فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن، ولم يزل بها ملكا، والله أعلم.
خلاصة نعم الله على سليمان عليه السلام
ذكر سليمان عليه السلام في القرآن الكريم ست عشرة مرة في سور : البقرة، والنساء، والأنعام، والأنبياء، والنمل، وسبأ، وقد بين القرآن نعم الله الكثيرة عليه ومن بينها ما يأتي :

١-
ذكاؤه وفراسته في القضاء، فقد منح الله سليمان ذكاء نادرا، وإصابة في القضاء والحكم، وكان حكمه أصوب من حكم أبيه داود عليه السلام.
قال تعالى : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين* ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين [ الأنبياء : ٧٨-٧٩ ].
وقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" سارت امرأتان ومع كل واحد ولدها، واستراحتا في الطريق فالتقم الذئب ابن إحداهما، فجاءتا إلى نبي الله داود، الكبرى معها الولد وتقول : هو ولدى، والصغرى تقول : بل هو ولدي، فقضى داود بالولد للكبرى، وسارتا عائدتين فوجدتا نبي الله سليمان، فقال لهما : بم قضى الملك ؟ قالتا : قضى بالولد للكبرى. فقال سليمان عدل الملك، وغير ذلك كان أوفق، فبلغ ذلك داود، فأرسل إليه وسأله عن رأيه فقال : أرى أن نقسم الولد نصفين، ونعطي لكل واحدة نصفا، فليست إحداهما أحق به من الأخرى، فأحضر الملك سيافا ماهرا وأحضر الصبي، ووضع السياف السيف على رأس الصبي، ليقسمه نصفين، فصرخت الصغرى وقالت : هو ولدها فلتأخذه كله، فقضى سليمان بالولد للصغرى " ٨.

٢-
تعليم الله له منطق الطير، فكان يفهم مراد الطيور من أصواتها، قال تعالى : وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين [ النمل : ١٦ ].

٣-
تسخير الرياح له تنقله من مكان إلى آخر بعيد، ويوجه الرياح حيث يشاء، قال تعالى : ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها... [ الأنبياء : ٨١ ].
وقال تعالى : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب [ ص : ٣٦ ]
وقال تعالى : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر.. [ سبأ : ١٢ ].

٤-
تربية الخيول : وهي الصافنات الجياد للجهاد، وكان رباط الخيل مندوبا إليه في ملة سليمان عليه السلام، كما هو مندوب في شرعنا.
روى البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم )٩.
وكان سليمان يستعرضها مسرورا بها ويمسح بناصيتها وسوقها وأعناقها، تشريفا لها وإعزازا لنعمتها في جهاد العدو، وتفقدا لأحوالها وأمراضها وعيوبها، قال تعالى : ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب* إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد* فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب*ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق [ ص : ٣٠-٣٣ ].
وأما تفسير الآيات بما يفيد أن سليمان انشغل بالخيل عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فطلب إعادة الخيل عليه فقطع أعناقها وسوقها فمما يتنافى مع منصب النبوة، كما ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير.

٥-
فتنة سليمان : وإلقاء الجسد على كرسيه، وقد اختار العلامة أبو السعود والآلوسي في هذا الموضوع ما ورد في الصحيحين مرفوعا :( أن سليمان قال : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة من زوجاتي، تأتي كل واحد بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل : إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال : إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون )١٠.
قال تعالى : ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب*قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب*فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب*والشياطين كل بناء وغواص [ ص : ٣٤-٣٧ ].
وأما التفاسير الأخرى المشوبة بالأخلاط والروايات الإسرائيلية، فلم تصحّ ولا يعوّل عليها.

٦-
إسالة عين القطر [ النحاس المذاب ] له : أنعم الله على سليمان عليه السلام بتطويع النحاس المذاب له، لاستخدامه لتوثيق المباني العظيمة الضخمة، ذات الحجارة الكبيرة، مثل الهيكل المعروف بهيكل سليمان، كما ذكر تعالى : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر.. [ سبأ : ١٢ ].

٧-
تسخير الجن لسليمان، تبني له المحاريب والقصاع الكبيرة، والقدور الراسيات والتماثيل، وكانت التماثيل جائزة الصنع عندهم، قال تعالى : ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير*يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات.. [ سبأ : ١٢، ١٣ ].
وقال سبحانه : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب*والشياطين كل بناء وغواص*وآخرين مقرنين في الأصفاد*هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب [ ص : ٣٦-٣٩ ].
ومن هذه الآيات يتبين أن العصاة والمردة من الجن، يسر الله له عقوبتهم، وتقييدهم في السلاسل والأغلال، وظل الجن يخدمون سليمان، ويلبون أوامره ومن تمرد على طاعته عاقبه وسجنه وقيده بالسلاسل.

٨-
إسلام ملكة سبأ على يديه، فقد علم من الهدهد قصتها فأرسل لها رسالة يدعوها للإسلام، ورغبت الملكة في مجاملته ومصانعته، فأرسلت له هدية فرفضها، وهددها بالحرب، فخشيت الملكة عاقبة الحرب ليقينها بأن الله سخر له الجن والطير والإنس وقوى عظيمة تساعده، فجاءت بلقيس مع قومها، وأعلنت إسلامها، وعرض عليها سليمان مقدرته وتفوقه، فنقل عرشها في طرفة عين، وبنى لها قصرا عظيما، ومرد أرضه بالزجاج، وهذا فن مستحدث لا عهد لأهل اليمن به، ثم لما دخلته حسبته ماء، فكشفت عن ساقيها لتخوضه، فقال لها سليمان : إنه صرح أملس من الزجاج، مموه بألوان المياه يهيأ لمن شاهده أنه لجة الماء ولكنه زجاج فوق الماء، عندئذ أحست الملكة أنها أمام مشاهد عجيبة، تعجز عن تفسيرها، وكلها تدل على أن سليمان رسول مؤيد بالمعجزات، ومعونة الله رب العالمين، فأعلنت إسلامها وقالت : رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين .

٩-
قصة النملة التي أحست بقدوم سليمان وجنوده، فأمرت قومها بدخول مساكنهم، وفهم سليمان لغتها، وشكر الله على نعمه، قال تعالى : وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون* حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون* فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين [ النمل : ١٧-١٩ ].

١٠-
موت سليمان : عندما مات سليمان أخفى الله موته على الجن مدة طويلة، قيل : إنها قرابة عام، فظلت الجن مسخرة في البناء والأعمال الصعبة، حتى لا تدعى الجن أنها تعرف الغيب، قال تعالى : فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين [ سبأ : ١٤ ].
إن هذا الملك والتسخير والمقدرة، وتذليل الرياح والطير والجن، وعين القطر والتشييد والإعمار، لا بد له من نهاية محتومة هي الموت، كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون [ الأنبياء : ٣٥ ].


تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير