فَلَمَّا جَاءتْ أي بلقيس إلى سليمان قِيلَ لها، والقائل هو سليمان، أو غيره بأمره أَهَكَذَا عَرْشُكِ لم يقل هذا عرشك لئلا يكون ذلك تلقيناً لها فلا يتمّ الاختبار لعقلها قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ قال مجاهد : جعلت تعرف، وتنكر، وتعجب من حضوره عند سليمان، فقالت : كأنه هو. وقال مقاتل : عرفته، ولكنها شبهت عليهم كما شبّهوا عليها، ولو قيل لها : أهذا عرشك لقالت نعم. وقال عكرمة : كانت حكيمة، قالت : إن قلت هو هو خشيت أن أكذب، وإن قلت لا، خشيت أن أكذب، فقالت : كأنه هو، وقيل أراد سليمان أن يظهر لها أن الجنّ مسخرون له وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ قيل هو من كلام بلقيس : أي أوتينا العلم بصحة نبوّة سليمان من قبل هذه الآية في العرش وَكُنَّا مُسْلِمِينَ منقادين لأمره. وقيل هو من قول سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله من قبل بلقيس، وقيل أوتينا العلم بإسلامها، ومجيئها طائعة من قبلها : أي من قبل مجيئها. وقيل هو من كلام قوم سليمان. والقول الثاني أرجح من سائر الأقوال.
والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب بما يوجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله فيما نقلا إلى هذه الأمة من بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان ومما لم يكن ومما حرّف وبدّل ونسخ. انتهى. وكلامه هذا هو شعبة مما قد كررناه في هذا التفسير، ونبهنا عليه في عدّة مواضع، وكنت أظنّ أنه لم ينبّه على ذلك غيري. فالحمد لله على الموافقة لمثل هذا الحافظ المنصف.
وأخرج البخاري في تاريخه، والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أوّل من صنعت له الحمامات سليمان» وروي عنه مرفوعاً من طريق أخرى رواها الطبراني، وابن عديّ في الكامل، والبيهقي في الشعب بلفظ :«أوّل من دخل الحمام سليمان فلما وجد حرّه قال أوّه من عذاب الله».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني