فانظر كيف كان عاقبةُ مكرهم أي : فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله : أنَّا دمرناهم : أهلكناهم بالصيحة وقومَهم الذين لم يكونوا معهم في التبييت أجمعين . رُوي أنه كان لصالح مسجد في شِعْبٍ يُصلِّي فيه. فقالوا : زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا : إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهَضب التي حِيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فُعِل بقومهم، وعذَّب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه.
وقال ابن عباس : أرسل الله الملائكة ليلاً، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلتهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون رامياً. ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل.
وقال القشيري على قوله : ومكروا مكراً... الآية : مَكْرُ اللهِ : جزاؤهم على مَكْرِهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتةً. هـ. وقال الورتجبي : حقيقة المكر : امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مَكْره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القِدم، فمَكْره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت : ومعنى كلامه : أن مكر الله في الجملة : هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره ؛ إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك : العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد ؛ إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل : العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أيّ : لا يسْكُن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره.
وقال القشيري - على قوله : فتلك بيوتهم خاوية... ، في الخبر :" لو كان الظلم بيتاً في الجنة لسلط الله عليه الخراب " هـ. قلت : فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي