قوله :«أَمَّن خَلَقَ » «أَمْ » هذه منقطعة١، لعدم تقدّم همزة الاستفهام ولا تسوية، و «مَنْ خَلَقَ » مبتدأ وخبره محذوف، فقدَّره الزمخشري : خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ٢، فقدر ما٣ أثبت في الاستفهام الأوّل، وهو حَسَنٌ، وقَدَّرَهُ ابن عطية : يُكفَر بنعمته ويُشْرك به، ونحو هذا من المعنى٤. وقال أبو الفضل الرازي : لا بُدَّ من إضمار جملة معادلة، وصار ذلك المضمر كالمنطوق لدلالة الفحوى عليه، وتقدير تلك الجملة : أم مَّنْ خَلَقَ السَّمَواتِ والأَرْض كَمَنْ لَمْ يَخْلُقُ ؟ وكذلك أخواتها، وقد أُظْهِرَ في غير هذه المواضع ما أُضْمِر فيها٥، كقوله :
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ [ النحل : ١٧ ]. وقال أبو حيان : وتسمية هذا المقدر جملة إن أراد أنّها جملة من جهة الألفاظ فصحيح٦، وإن أراد الجملة المصطلح عليها في النحو، فليس بصحيح، بل هو مضمر من قبيل المفرد٧. وقرأ الأعمش :«أَمَنْ » بتخفيف الميم٨ جعلها ( مَنْ ) الموصولة داخلة عليها همزة الاستفهام، وفيها وجهان :
أحدهما : أن يكون مبتدأ والخبر محذوف وتقديره ما تقدم من الأوجه، قاله أبو حيان٩.
والثاني : أنها بدل من «الله »، كأنه قيل : أمن١٠ خلق السموات والأرض خَيْر أمَّا يشركون، ولم يذكر الزمخشري غيره١١. ويكون قد فصل بين البَدَل والمُبْدَل منه بالخبر وبالمعطوف على المبدل١٢ منه، وهو نظير قولك : أَزيدٌ خَيْرٌ أَمْ عَمْرٌوا أأخوك١٣، على أن يكون أأخوك١٤ بدلاً من : أزيد، وفي جواز مثل هذا نظر١٥.
قوله :«فَأَنْبَتْنَا » هذا التفات من الغيبة إلى المتكلم، لتأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأنَّ إنْبات الحدائق المختلفة الألوان والطُّعوم - مع سقيها بماءٍ واحدٍ - لا يقدر عليه إلاّ هو وحده، ولذلك رشحه بقوله : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ١٦. فإن الإنسان ربما يقول : أنا الذي ألقي البذر في الأرض وأسقيها الماء وأسعى في تشميسها، وفاعل السبب فاعل المسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة، فلمّا كان هذا الاحتمال قائماً، لا جرم أزال الله تعالى هذا الاحتمال، فرجع من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم، والحدائق : جمع حديقةٍ وهي البستان، وقيل القطعة من الأرض ذات الماء١٧. قال الراغب : سُمِّيَتْ بذلك تشبيهاً بحَدقةِ العين في الهيئة وحصول الماء فيه١٨. وقال غيره : سُمِّيت بذلك لإحداق الجدران بها١٩.
وليس بشيء، لأنها يطلق٢٠ عليها ذلك مع عدم الجدران٢١ ووقف القراء على «ذَات » من «ذَاتِ بَهْجَة » بتاء مجهورة، والكسائي بها، لأنها تاء تأنيث٢٢. وقيل :«ذات »، لأنه بمعنى جماعة حدائق ذات بهجة كما تقول٢٣ : النساء ذهبت، و «البهجة » : الحسن، لأن حسّ الناظر يبتهج به٢٤. وقرأ ابن أبي عبلة :«ذَوَاتِ بَهَجَةٍ » بالجمع، وفتح هاء «بَهَجَةٍ »٢٥. قوله : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ ، «أَنْ تُنْبِتُوا » اسم كان و «لَكُمْ » خبر مقدم، والجملة المنفية يجوز أن تكون صفة ل «حدائق »٢٦، وأن تكون حالاً، لتخصصها بالصفة.
قوله : أإله مَّعَ الله استفهام بمعنى الإنكار، هل معبود سواه أعانه على صنعه، بل ليس معه إله، وقرئ : أإلهاً مَعَ اللَّهِ، أي : تدعون أو تشركون٢٧، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ : يعني كفار مكة، يَعْدِلُون : يشركون، أي : يعدلون بالله٢٨ سواه، وقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر، ونظير هذه الآية أول سورة الأنعام٢٩.
٢ المرجع السابق..
٣ في ب: فقدرنا..
٤ تفسير ابن عطية ١١/٢٢٧..
٥ انظر البحر المحيط ٧/٨٩..
٦ في ب: صحيح..
٧ البحر المحيط ٧/٨٩..
٨ المختصر (١١٠)، المحتسب ٢/١٤٢..
٩ قال أبو حيان: (وقرا الأعمش بتخفيفها جعلها همزة الاستفهام أدخلت على (من) ومن" في القرائتين مبتدأ وخبر) البحر المحط ٢/٨٩..
١٠ في الأصل: أما..
١١ قال الزمخشري: (وقرأ الأعمش "أمن" بالتخفيف، ووجهه أن يجعل بدلاً من "الله" كأنه قال: أمن خلق السموات والأرض خير أم ما تشركون) الكشاف ٣/١٤٨..
١٢ في ب: البدل. وهو تحريف..
١٣ في ب: أم أخوك. وهو تحريف..
١٤ في ب: أخوك..
١٥ ما ذكره ابن عادل عن الفصل لا يضر، لنهم قد فصلوا بين المتلازمين كالمبتدأ والخبر بجملة الاعتراض، والفصل هنا بجزء من المبدل منه وهو الخبر وما عطف عليه..
١٦ انظر الكشاف ٣/١٤٨..
١٧ المرجع السابق..
١٨ المفردات في غريب القرآن (١١١)..
١٩ قال الفراء: (إنما يقال: حديقة لكل بستان عليه حائط، فما لم يكن عليه حائط لم يقل له حديقة) معاني القرآن ٢/٢٩٧..
٢٠ في ب: مطلق..
٢١ قال أبو حيان: (الحديقة: البستان كان عليه جدار أو لم يكن) البحر المحيط ٧/٨١..
٢٢ انظر إبراز المعاني (٢٤٧)..
٢٣ في ب: يقال..
٢٤ انظر الكشاف ٣/١٤٨..
٢٥ انظر البحر المحيط ٧/٨٩..
٢٦ انظر التبيان ٢/١٠١٢. وفي ب: الحدائق..
٢٧ انظر الكشاف ٣/١٤٨، البحر المحيط ٧/٨٩، وفيهما: أتدعون أو أتشركون..
٢٨ في ب: الله..
٢٩ وهو قوله تعالى: الحمد لله الذي خلق السَّموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون[١]. انظر اللباب ٣/٣٧١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود