تفسير المفردات : الحدائق : البساتين واحدها حديقة، والبهجة : الحسن والرونق، يعدلون : من العدول وهو الانحراف.
المعنى الجملي : بعد أن قص سبحانه على رسوله قصص أولئك الأنبياء السالفين وذكر أخبارهم الدالة على كمال قدرته وعظيم شأنه، وعلى ما خصهم به من المعجزات الباهرة الناطقة بجلال أقدارهم، وصدق أخبارهم، وفيها بيان صحة الإسلام والتوحيد وبطلان الشرك والكفر، وأن من اقتدى بهم فقد اهتدى، ومن أعرض عنهم فقد تردّى في مهاوي الردى، ثم شرح صدره عليه الصلاة والسلام بما في تضاعيف تلك القصص من العلوم الإلهية، والمعارف الربانية، الفائضة من عالم القدس مقررا بذلك قوله : وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ( النمل : ٦ ) أردف هذا أمره عليه الصلاة والسلام بأن يحمده تعالى على تلك النعم، ويسلم على الأنبياء كافة عرفانا لفضلهم، وأداء لحق تقدمهم واجتهادهم في الدين، وتبليغ رسالات ربهم على أكمل الوجوه وأمثل السبل، ثم ذكر الأدلة على تفرده بالخلق والتقدير ووجوب عبادته وحده، وأنه لا ينبغي عبادة شيء سواه من الأصنام والأوثان.
الإيضاح : ثم انتقل من التوبيخ تعريضا إلى التبكيت تصريحا فقال :
أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أي أعبادة ما تعبدون أيها المشركون من أوثانكم التي لا تضر ولا تنفع خير، أم عبادة من خلق السماوات على ارتفاعها وصفائها وجعل فيها كواكب نيرة ونجوما زاهرة، وأفلاكا دائرة ؛ وخلق الأرض وجعل فيها جبالا وأنهارا وسهولا وأوعارا، وفيافي وقفارا، وزروعا وأشجارا، وحيوانات مختلفة الأصناف والأشكال والألوان، وأنزل لكم من السماء مطرا جعله رزقا للعباد، فأنبت به بساتين مونقة تسر الناظرين ؟ ولولاه ما نبت الشجر، ولا ظهر الثمر.
ونحو الآية قوله : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ( الزخرف : ٨٧ ) وقوله : ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ( العنكبوت : ٦٣ ).
ثم زاد في التوبيخ فنفي الألوهية عما يشركون بعد تبكيتهم على نفي الخيرية عنها فقال :
أإله مع الله أي أإله غيره يقرون به، ويجعلونه شريكا له في العبادة، مع تفرده جل شأنه بالخلق والتكوين ؟ ونحو الآية قوله : وما كان معه من إله ( المؤمنون : ٩١ ).
ثم انتقل من تبكيتهم إلى بيان سوء حالهم فقال :
بل هو قوم يعدلون أي بل هؤلاء المشركون قوم دأبهم العدول عن طريق الحق، والانحراف عن جادة الاستقامة في جميع شؤونهم، ومن ثم يفعلون ما يفعلون من العدول عن الحق الواضح وهو التوحيد، ويعكفون على الضلال المبين وهو الإشراك.
وفي معنى الآية : أمن هو قانت أناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ( الزمر : ٩ ) وقوله : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ( الزمر : ٢٢ ) وقوله : وجعلوا لله شركاء قل سموهم ( الرعد : ٣٣ ).
تفسير المراغي
المراغي