وسوئها، ووصفهم بأنهم جاهلون أمر التحريم أو العقوبة، والآن يعلمهم بشدة الحرمة، وينذرهم بقبح العقاب وألم العذاب.
لكن القوم أمعنوا في ضلالهم، وازدادوا غيا في فسقهم، وأصروا على معصيتهم، وتآمروا فيما بينهم على طرد لوط وأهله من قريتهم، قائلين على سبيل الاستهزاء منهم: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يتنزهون عن أدبار الرجال.
فكان مقتضى الرحمة الإلهية أن ينجي الله لوطا وأهله الذين آمنوا برسالته، وتورعوا من التدنس برجس هؤلاء العصاة الفساق، إلا امرأته التي كانت راضية بأفعال قومها القبيحة، أضحت باقية معهم في العذاب.
وكان من مقتضى العدل أن يجازي الله هؤلاء المصرين على العصيان وارتكاب الفاحشة، والذين أنذروا بالعقاب فلم يقبلوا الإنذار، فأنزل الله عليهم من السماء حجارة من سجيل منضود، مسوّمة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، فأهلكوا جميعا، وما أسوأ ذلك المصير المشؤوم!!
أدلة الوحدانية والقدرة الإلهية
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤]
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)
الإعراب:
آللَّهُ خَيْرٌ... مبتدأ وخبر، والأظهر- كما قال ابن الأنباري- أن كلمة خَيْرٌ هنا للمفاضلة، فإنه وإن لم يكن في آلهتهم خير، فهو بناء على اعتقادهم، فإنهم كانوا يعتقدون أن في آلهتهم خيرا. أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً بدل من أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ما صلة زائدة، قَلِيلًا صفة مصدر مقدر، أي تذكرا قليلا يذكرون، والمراد به النفي، مثل: قل ما يأتيني، أي لا يأتيني.
البلاغة:
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ استفهام يقصد به التبكيت والتهكم.
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ استعارة، أي أمام نزول المطر، استعار اليدين للإمام.
يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بينهما طباق.
قَراراً أَنْهاراً يُشْرِكُونَ يَعْدِلُونَ يَعْلَمُونَ تَذَكَّرُونَ فيها مراعاة الفواصل، الذي هو من محاسن الكلام.
المفردات اللغوية:
قُلِ أيها الرسول. الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك الكفار الفجار من الأمم الخالية.
اصْطَفى اختار، والأنبياء هم المصطفون المختارون. خَيْرٌ لمن يعبده. أَمَّا يُشْرِكُونَ أصله أم ما يشركون فأدغم الميمان ببعضهما، وهم أهل مكة الذين يشركون بالله تعالى آلهة أخرى، أي هل شركهم خير لهم؟ وهو تهكم بهم وتسفيه لرأيهم إذ من المعلوم ألا خير أصلا فيما أشركوه، حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل خير وهو الله. أَمَّنْ أي بل أم من. خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ التي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع. وَأَنْزَلَ لَكُمْ لأجلكم. فَأَنْبَتْنا فيه
التفات من الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته والتنبيه على أن إنبات الحدائق البهية المختلفة الأنواع لا يقدر عليه غيره تعالى، لذا قال: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي لعدم قدرتكم عليه.
حَدائِقَ بساتين مسورة، جمع حديقة. ذاتَ بَهْجَةٍ حسن ورونق. شَجَرَها شجر الحدائق. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أغيره يقرن به ويجعل له شريكا، وهو المتفرد بالخلق والتكوين؟
يَعْدِلُونَ يميلون أو ينحرفون عن الحق الذي هو التوحيد، فيشركون بالله غيره.
قَراراً مكانا يستقر عليه الإنسان، فلا يميد بأهله. خِلالَها وسطها، وبين جهاتها المختلفة، جمع خلل: أي وسط. رَواسِيَ جبالا ثوابت، ثبّت بها الأرض. بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ بين العذب والمالح، لا يختلط أحدهما بالآخر. حاجِزاً فاصلا بين الشيئين. لا يَعْلَمُونَ الحق، وهو التوحيد، فيشركون به.
الْمُضْطَرَّ الذي أحوجته الشدة إلى اللجوء والضراعة إلى الله، واللام فيه للجنس، لا للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كل مضطر. وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي يرفع السوء عنه وعن غيره. خُلَفاءَ الْأَرْضِ خلفاء فيها، بأن ورّثكم سكناها والتصرف فيها ممن قبلكم، من الخلافة:
وهي الملك والتسلط، والإضافة بمعنى في، أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ الذي خصكم بهذه النعم العامّة والخاصة. قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تتعظون، وما زائدة لتقليل القليل، والمراد به العدم أو الحقارة التي لا فائدة منها.
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ يرشدكم إلى مقاصدكم. فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بالنجوم ليلا، وبعلامات الأرض نهارا. والظلمات: ظلمات الليالي، أضافها إلى البر والبحر للملابسة. بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي أمام المطر. عَمَّا يُشْرِكُونَ به غيره، فهو تعالى القادر الخالق، المنزه عن مشاركة العاجز المخلوق. يَبْدَؤُا الْخَلْقَ بداية خلق الإنسان الأول من التراب، وبدء خلق سلالة الإنسان في الأرحام من نطفة. ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد الموت. والكفرة وإن أنكروا الإعادة فهم محجوجون بالبراهين عليها. مِنَ السَّماءِ بالمطر. وَالْأَرْضِ بالنبات. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يفعل ذلك؟
الحق أنه لا يفعل شيئا مما ذكر إلا الله، ولا إله معه. بُرْهانَكُمْ حجتكم على أن غيره يقدر على شيء من ذلك. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إشراككم، فإن كمال القدرة من لوازم الألوهية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصص أربعة أنبياء مع أقوامهم، وإهلاكهم بسبب شركهم ووثنيتهم، والإدلال على كمال قدرته ونصر رسله على أعدائهم، أمر
رسوله صلّى الله عليه وسلم بحمد الله تعالى على تلك النعمة، والسلام على الأنبياء كافة، لأدائهم واجب التبليغ لرسالة ربهم على أكمل وجه، ثم رد على عبدة الأوثان ببيان الأدلة المختلفة على وحدانيته وتفرده بالخلق، وقدرته، وإخلاص العبادة له.
التفسير والبيان:
قُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى يأمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلم بحمد الله وشكره على نعمه على عباده التي لا تعدّ ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلا والأسماء الحسنى، وأن يسلّم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم لتبليغ رسالته، وهم رسله وأنبياؤه الكرام على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه. وأما كون الخطاب لنبينا محمد صلّى الله عليه وسلم فلأن القرآن منزل عليه، وكل ما فيه فهو مخاطب به صلّى الله عليه وسلم إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره.
ومن تلك النعم نجاة رسله ونصرتهم وتأييدهم، وإهلاك أعدائه.
ونظير الآية قوله تعالى: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الصافات ٣٧/ ١٨٠- ١٨٢].
وهذا تعليم لنا بأن نحمد الله تعالى على جميع أفعاله، ونسلّم على عباده المصطفين الأخيار.
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أي هل الله الذي يتصف بالعظمة والقدرة التامة خير أم ما يشركون به من الأصنام؟ وهذا استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، وتبكيت لهم، وتهكم بحالهم لإيثارهم عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى. والمقصود به التنبيه على نهاية ضلالهم وجهلهم، علما بأنه لا خير أصلا فيما أشركوه حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه، وإنما كانت الموازنة بحسب اعتقادهم وجود منفعة في آلهتهم المزعومة.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى، وأجل وأكرم».
ثم انتقل من التوبيخ والتبكيت إجمالا إلى الرد المفصل على عبدة الأوثان ببيان الأدلة على أنه تعالى إله واحد لا شريك له، قادر على كل شيء لأنه الخالق لأصول النعم وفروعها، فكيف تصح عبادة ما لا منفعة منه أصلا؟ وتلك الأدلة أنواع:
١- ما يتعلق بالسموات: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ، ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أي أعبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع خير أم عبادة من خلق السموات في ارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من كواكب نيّرة ونجوم زاهرة وأفلاك دائرة، وخلق الأرض الصالحة للحياة الهادئة، وجعل فيها الجبال والسهول، والأنهار والوديان، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، والحيوانات المختلفة الأصناف والأشكال والألوان، وأنزل لأجل عباده من السماء مطرا جعله رزقا لهم، فأنبت به بساتين ذات بهجة ونضارة، وشكل حسن ومنظر بهي، ولولاه ما حصل الإنبات، ولم تكونوا تقدرون على إنبات الأشجار والزروع.
فهو المنفرد بالخلق والرزق، فهل يصح بعدئذ وجود إله مع الله يعبد؟ كما قال تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [المؤمنون ٢٣/ ٩١].
بل هؤلاء المشركون قوم يميلون عن الحق إلى الباطل، وينحرفون عن جادة الصواب، فيجعلون لله عدلا ونظيرا.
ونظير الآية كثير مثل: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل ١٦/ ١٧] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف ٤٣/ ٨٧] ونحو
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت ٢٩/ ٦٣].
هذا.. وقد ذكر الزمخشري الفرق بين أم في أَمَّنْ وأم في أَمَّا يُشْرِكُونَ وهو أن أَمَّا متصلة لأن المعنى أيهما خير، وفي أَمَّنْ منقطعة بمعنى «بل».
٢- ما يتعلق بالأرض: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً، وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً، وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ، وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي أعبادة الأوثان العديمة النفع والضرر خير أم عبادة الذي جعل الأرض مستقرا للإنسان وغيره، لا تميد ولا تتحرك بأهلها، وجعل فيها الأنهار العذبة الطيبة لسقاية الإنسان والحيوان والنبات، وجعل فيها جبالا ثوابت شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم، وجعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزا، أي مانعا يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد هذا بذاك، لتبقى الغاية من التفرقة بينهما متحققة، فإن الماء العذب الزلال لسقي الإنسان والحيوان والنبات والثمار، والماء المالح في البحار ليكون مصدرا للأمطار، وليبقى الهواء فوقه نقيا صافيا لا يفسد بالرائحة الكريهة التي تحدث عادة في تجمعات المياه العذبة.
أيوجد إله مع الله فعل هذا وأبدع هذه الكائنات؟! بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الحق فيتبعونه، ولا يعرفون قدر عظمة الإله المستحق للعبادة.
ونظير الجزء الأول من الآية: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً [غافر ٤٠/ ٦٤] ونظير آية حاجز البحرين: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان ٢٥/ ٥٣].
٣- ما يتعلق عموما باحتياج الخلق إلى الله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ، وَيَكْشِفُ السُّوءَ، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي أتلك الآلهة الجمادات الصماء خير أم من يجيب المضطر إذا دعاه وهو الذي أحوجه المرض أو الفقر أو المحنة إلى التضرع إلى الله تعالى، ويرفع عنه السوء أو الضرر الذي أصابه من فقر أو مرض أو خوف أو غيره، ويجعلكم ورثة من قبلكم من الأمم في سكنى الأرض والديار والتصرف فيها، فيخلف قرنا لقرن وخلفا لسلف، كما قال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الأنعام ٦/ ١٦٥].
أيعقل وجود إله مع الله بعد هذا؟ وهل يقدر أحد على ذلك غير الله المتفرد بهذه الأفعال؟ ولكن ما أقل تذكركم نعم الله عليكم، ومن يرشدكم إلى الحق ويهديكم إلى الصراط المستقيم.
٤- ما يتصل باحتياج الخلق إلى الله تعالى في وقت خاص: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي أتلك الآلهة التائهة خير أم من يرشدكم في أثناء الظلمات البرية أو البحرية إذا ضللتم الطريق بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال تعالى: وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل ١٦/ ١٦] وقال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام ٦/ ٩٧].
ومن يرسل الرياح مبشرات أمام نزول الغيث الذي يحيي به الأرض بعد موتها، أيكون هناك إله مع الله فعل هذا؟ تنزه الله المتفرد بالألوهية المتصف بصفات الكمال عن شرك المشركين الذين يعبدون مع الله إلها آخر؟! ٥- ما له صلة بإبداع الخلق والحشر والنشر: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ،
وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي أتلك الآلهة العاجزة خير، أم الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق من غير مثال سبق، ثم يميته، ثم يعيده إلى الحياة الأولى مرة أخرى، كما قال تعالى: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج ٨٥/ ١٣] وقال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم ٣٠/ ٢٧] وهو الذي يرزقكم بما ينزّل من السماء من أمطار، وبما ينبت من بركات الأرض.
أيوجد إله آخر فعل هذا مع الله حتى يتخذ شريكا له؟ قل لهم أيها الرسول: قدّموا برهانكم على صحة ما تدّعون من عبادة آلهة أخرى إن كنتم صادقين في ذلك مع أنفسكم ومع غيركم. والواقع أنه لا حجة لهم ولا برهان يقبله عاقل، كما قال تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون ٢٣/ ١١٧].
قال أبو حيان: ناسب ختم كل استفهام بما تقدمه، فلما ذكر العالم العلوي والسفلي وما امتنّ به من إنزال المطر وإنبات الحدائق، ختمه بقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أي عن عبادته أو يعدلون به غيره مما هو مخلوق، فلا يعبد إلا موجد العالم، ولما ذكر جعل الأرض مستقرا وتفجير الأنهار وإرساء الجبال، وكان ذلك تنبيها على ضرورة تعقل ذلك والتفكر فيه، ختمه بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. ولما ذكر إجابة دعاء المضطر وكشف السوء واستخلافهم في الأرض ختمه بقوله: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ إشارة إلى توالي النسيان إذا صار في خير وزال اضطراره، ولما ذكر الهداية في الظلمات وإرسال الرياح مبشرات، ومعبوداتهم لا تهدي وهم يشركون بها، ختمه بقوله: تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ على سبيل التوكيد والتقرير أنه لا إله إلا هو تعالى «١».
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت هذه الآيات الأدلة على إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته الشاملة، وتتلخص هذه الأدلة بالخلق والإيجاد، والتفرد في دفع الضرر، وجلب النفع والخير، والقدرة على الحشر والنشر، ويتجلى ذلك فيما يأتي:
١- إهلاك كفار الأمم الخالية جميعا لإصرارهم على الشرك والوثنية وارتكابهم كبائر المعاصي وعظائم الفواحش.
وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى تعليم وإرشاد إلى حمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية الذين زرعوا الشرك والمعصية في ديارهم، مما يجب التخلص منهم، وفي هذا عبرة وعظة.
ويؤخذ من ذلك الاستفتاح بالتحميد لله والسلام على الأنبياء والمصطفين من عباده، ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ جيلا عن جيل هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم في فواتح الأمور المفيدة وفي المواعظ والخطب.
٢- قوله سبحانه: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ تبكيت للمشركين وتوبيخ وتهكم على حالهم وضلالهم، لإيثارهم عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى.
٣- الله تعالى هو خالق السموات والأرض، ومنزل المطر، ومنبت الشجر والزرع والثمر في الحدائق الغنّاء ذات الأنواع والأشكال والألوان المختلفة، والمناظر الجميلة الرائعة الحسن والبهاء، فيكون قطعا هو المستحق للعبادة دون غيره لأنه لا يتهيأ للبشر ولا لغيرهم ولا يتيسر لهم ولا يمكنهم أن يخلقوا شيئا مما ذكر، فهم عجزة عن مثل ذلك.
٤- قال القرطبي في قوله تعالى: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها:
يستدل به لقول مجاهد على منع تصوير أي شيء، سواء أكان له روح أم لم يكن.
ويعضده
ما رواه مسلم في صحيحة من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة».
وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز، كما يجوز الاكتساب به أخرج مسلم أيضا أن ابن عباس قال للذي سأله أن يصنع الصور: إن كنت لا بد فاعلا، فاصنع الشجر وما لا نفس له.
٥- الله عز وجل هو الذي جعل كرة الأرض اليابسة صالحة للحياة، بجعلها قارّة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها، وزودها بالهواء الذي لا تمكن الحياة بدونه، وجعل فيها الأنهار للسقي، والجبال الثوابت لتمسكها وتمنعها من الحركة، وجعل بين البحرين: العذب والمالح مانعا من قدرته، لئلا يختلط الأجاج بالعذب.
إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غير الله، فلم يعبد المشركون ما لا يضر ولا ينفع؟ ولكن أكثرهم يجهلون الله، فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية.
٦- الله تعالى وحده مصدر الرحمة الذي يدفع الضرر، فيجيب دعاء المضطر (وهو ذو الضرورة المجهود) ويكشف السوء (الضر) ويجعل الناس خلفاء الأرض أي سكانها جيلا بعد جيل، فيموت قوم وينشئ الله آخرين، أمع الله ويلكم أيها الناس إله؟ ولكنكم تتذكرون تذكرا قليلا نعم الله عليكم، والمراد نفي التذكر، والقلة تستعمل في معنى النفي.
وهذا دليل على أن الله تعالى ضمن إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، لأن التضرع إليه ينشأ عن الإخلاص، وعدم تعلق القلب بسواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمّة، سواء وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو
فاجر، كما قال تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ، وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَفَرِحُوا بِها، جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ، وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس ١٠/ ٢٢] وقوله: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت ٢٩/ ٦٥] أي أن الله تعالى أجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم، وقال تعالى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت ٢٩/ ٦٥].
وفي الحديث الصحيح: «ثلاث دعوات مستجابات، لا شكّ فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده»
وفي صحيح مسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما وجّهه إلى أرض اليمن: «واتق دعوة المظلوم، فليس بينها وبين الله حجاب».
٧- الله تعالى وحده مصدر الخير والنفع، فهو الذي يرشد الطريق في ظلمات البر والبحر حال السفر إلى البلاد البعيدة، وهو الذي يرسل الرياح مبشرات قدام المطر، فهل يوجد إله مع الله يفعل ذلك ويعينه عليه؟ تنزه الله عما يشرك به المشركون من دونه.
٨- الله الذي يقرّ المشركون أنه الخالق الرازق هو الذي يعيد الخلق يوم القيامة إلى الحياة الجديدة لأن من قدر على ابتداء الخلق فهو قادر حتما على الإعادة، وهو أهون عليه، أيوجد إله مع الله يخلق ويرزق ويبدئ الخلق ويعيده؟ فيا أيها المشركون مع الله إلها آخر، قدّموا حجتكم أن لي شريكا، أو حجتكم في أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله، إن كنتم صادقين مع أنفسكم في ادعاء أن له شريكا.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي