ثم شرع في قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال :
إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُواءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يقول الحق جل جلاله : واذكر إِذْ قال موسى لأهله ؛ زوجته ومن معه، عند مسيره من مدْين إلى مصر : إِني آنستُ أي : أبصرتُ ناراً سآتيكم منها بخَبَرٍ عن حال الطريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بُعد في المسافة، وتأكيد الوعد. آو آتيكم بشهابٍ قبَسٍ أي : شعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة. ومن نوّن فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد : تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء ؛ لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العِدتين منه عليه السلام بطريق الظن، كما يُفصح عن ذلك ما في سورة طه(١)، من صيغتي الترجي والترديد ؛ لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول : سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو، لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معاً لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عزّ الدنيا والآخرة.
واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي.
لعلكم تَصْطَلُون ؛ تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم.
وقال سعيد بن جبير :( هي النار بعينها )، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث :" حجابه النار " ومعنى كلامه : أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله :
هو النورُ المحيط بكل كَون ***...
ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لِما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله.
.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي