ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ثم يقول الحق سبحانه :
وأصبح فؤاد أم موسى(١) فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ١٠
الفؤاد : هو القلب، لكن لا يسمى القلب فؤادا إلا إذا كانت فيه قضايا تحكم حركتك، فالمعنى : أصبح فؤاد أم موسى فارغا... ١٠ ( القصص ) أي : لا شيء فيه مما يضبط السلوك، فحين ذهبت لترمي بالطفل وتذكرت فراقه وما سيتعرض له من أخطار كادت مشاعر الأمومة عندها أن تكشف سرها، وكادت أن تسرقها هذه العاطفة.
إن كادت لتبدي به.. ١٠ ( القصص ) يعني : تكشف أمره لولا أن ربطنا على قلبها ١٠ ( القصص )
وسبق أن قلنا : إن الإنسان يدرك الأشياء بآلات الإدراك عنده، ثم يتحول هذا الإدراك إلى وجدان وعاطفة، ثم إلى نزوع وعمل، ومثلنا لذلك بالوردة التي تراها بعينيك، ثم تعجب بها، ثم تنزع إلى قطفها، وعند النزوع تواجهك قضايا في الفؤاد تقول لك : لا يحق لك ذلك، فربما رفض صاحب البستان أو قاضاك، فالوردة ليست ملكا لك.
وكذلك أم موسى، كان فؤادها فارغا من القضية التي تطمئنها على وليدها، بحيث لا تفشي عواطفها هذا السر.
ومعنى ربطنا على قلبها... ١٠ ( القصص ) أي : ثبتناها ليكون الأمر عندها عقيدة راسخة لا تطفو على سطح العاطفة، ومن ذلك قوله تعالى عن أهل الكهف : وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض١٤ ( الكهف )
إذن : الربط على القلب معناه الاحتفاظ بالقضايا التي تتدخل في النزوع، فإن كان لا يصح أن تفعل فلا تفعل، وإن كان يصح أن تفعل فافعل، فهذه القضايا الراسخة هي التي تضبط التصرفات، وكان فؤاد أم موسى فارغا منها.
لذلك نقول لمن يتكلم بالكلام الفارغ الذي لا معنى له : دعك من هذا الكلام الفارغ – أي : الذي لا معنى له ولا فائدة منه، ومن ذلك قولهم : فلان عقله فارغ يعني : من القضايا النافعة. وإلا فليس هناك شيء فارغ تماما، لابد أن يكون فيه شيء، حتى لو كان الهواء.
ومنه قوله تعالى : وأفئدتهم هواء... ٤٣ ( ( إبراهيم ) ويقولون في العامية :( فلان معندوش ولا الهوا ) ذلك لأن الهواء آخر ما يمكن أن يفرغ منه الشيء.
ومعنى : إن كادت لتبدي به... ١٠ ( القصص ) يعني : قاربت من فراغ فؤادها أن تقول إنه ولدي (٢) لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ١٠ ( القصص ) لأن الإيمان هو الذي يجلب لك النفع، ويمنعك من الضار، وإن كان فيه شهوة عاجلة لك، فمنعها إيمانها من شهوة الأمومة في هذا الموقف، ومن ممارسة العطف والحنان الطبيعيين في الأم ؛ لأن هذه شهوة عاجلة يتبعها ضرر كبير، فإن أحسوا أنه ولدها قتلوه.

١ جاء في تأويل هذه الكلمة عدة تأويللات منها:
أي: خالبا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى. قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم.
أي: فارغا من الوحي إذ أوحى إليها حين أمرت أن تلقيه في البحرولا تخافي ولا تحزني... ٧(القصص) والعهد الذي عهده إليها أن يرده ويجعله من المرسلين. قاله الحسن وابن إسحاق وابن زيد.
أي: فارغا من الغم والحزن لعلمها أنه لم يغرق. قاله أبو عبيدة والأخفش.
أي: ذهب عقلها. قاله مالك. والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش.
قال النحاس: أصح هذه الأقوال الأول، والذين قالوه أعلم بكتاب الله عز وجل، فإذا كان فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي، وقول أبي عبيدة: فارغا من الغم غلط قبيح، لأن بعدهإن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها... ١٠(القصص).(تفسير القرطبي ٧/٥١٤١)..

٢ قال ابن عباس: أي تصيح عند إلقائه: وا ابناه. وقال السدي: كادت تقول لما حملته لإرضاعه وحضانته: هو ابني. وقيل: إنه لما شب سمعت الناس يقولون موسى ابن فرعون، فشق عليها وضاق صدرها، وكادت تقول: هو ابني. (تفسير القرطبي ٧/٥١٤٢)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير