ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا » قرأ ابن محيصن :«فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا » بحذف الهمزة تخفيفاً١ على غير قياس، كقوله : يا با فلان، وقوله :
٣٩٨٧ - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ *** فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا٢
وَوَيْلُمِّه أي : ويلٌ لأُمِّهِ. قال :
٣٩٨٨ - وَيْلُمِّهَا حَالُه٣ لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ٤ ***. . .
و «تَمْشِي » حال، و «اسْتِحْيَاءٍ » حال أخرى، إما من «جَاءَتْ » وإما من «تَمْشِي »٥.

فصل :


قال عمر بن الخطاب : ليست بسلفع٦ من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء٧. قالت٨ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا صرحت٩ بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل : ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال١٠. وقال عبد العزيز بن أبي حازم١١ : على إجلال له١٢، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي »، ثم يبتدئ عَلَى استحياء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ١٣ أي : إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا١٤ غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة١٥. قال ابن إسحاق : اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا١٦، وقال غيره : صَفُورا وصَفِيرا١٧. وقال الضحاك : صافُورا١٨، قال الأكثرون : التي جاءت إلى موسى الكبرى١٩. وقال الكلبي : هي الصغرى٢٠. قال ابن الخطيب : وفي الآية إشكالات.
أحدها : كيف ساغ لموسى عليه السلام٢١ أن يعمل بقول امرأة، ( وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا )٢٢ وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة ؟ وقال٢٣ صلى الله عليه وسلم :«اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم ».
وثانيها٢٤ : أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى٢٥، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة ؟.
وثالثها : أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام٢٦ كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة ؟.
ورابعها : كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام٢٧ أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً ؟.
والجواب عن الأول : أما٢٨ العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها.
وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع.
وعن الثاني : أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام٢٩ ما ذهب إليهم طالباً للأجرة، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال : اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى : أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب : ولم ذلك ؟ ألست بجائع ؟ فقال : بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية : لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب : لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى٣٠، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً٣١، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات.
وعن الرابع : لعله عليه السلام٣٢ كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها٣٣.

فصل :


قال عمر بن الخطاب : فقام يمشي٣٤ والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت٣٥ ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام٣٦ : إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل٣٧، وفي رواية : كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة.
فإن قيل : لِمَ خشي موسى - عليه السلام٣٨ - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال : لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [ الكهف : ٧٧ ] ؟.
فالجواب : أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء ( ف )٣٩ غير مكروه٤٠. قوله : فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص ٤١ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك : قال له : مَنْ أنت يا عبد الله ؟ قال له : أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن٤٢ ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام٤٣ : لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين أي : لا سلطان له بأرضنا٤٤، فإن قيل إن المفسرين قالوا : إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه٤٥، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته ؟ فالجواب : هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال٤٦.
١ انظر المحتسب ٢/١٥٠، البحر المحيط ٧/١١٤..
٢ البيت من بحر الكامل، ونسبه في التصريف الملوكي(٣٨) إلى أبي الأسود الدؤلي، وليس في ديوانه. والشاهد فيه حذف الهمزة في قوله (يا با)، وهذا الحذف للتخفيف وليس بقياس. وفيه أيضاً قصر (الدها) والأصل فيه المد..
٣ في ب: حال..
٤ لم أعثر على تتمة لهذا البيت، ولا قائله، والشاهد فيه قوله (ويلمها) الأصل: ويل لأمها فحذفت الهمزة من الأم تخفيفاً، ثم تبعتها لام الجر المعدية للمصدر حتى لا تلتقي مع اللام قبلها..
٥ انظر البيان ٢/٢٣١..
٦ السلفع من النساء: الجريئة على الرجال..
٧ انظر البغوي ٦/٣٣١، الفخر الرازي ٢٤/٢٤٠..
٨ في ب: وقالت..
٩ في ب: خرجت..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٠..
١١ هو عبد العزيز بن أبي حازم، يكنى أبا تمام. مات بالمدينة فجأة سنة ١٨٤ هـ. المعارف لابن قتيبة ٤٧٩..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٠..
١٣ لعله جعل قوله "على استحياء" حالاً مقدمة من "قالت"، أي: قالت مستحيية، لأنها كانت تريد أن تدعوه إلى ضيافتها، وما تدري أيجيبها أم لا، وهو وقف جيد، والأجود وصله. انظر منار الهدى في الوقف والابتدا (٢٩٠)..
١٤ في الأصل: دعاه..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٠..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٠..
١٧ المرجع السابق..
١٨ المرجع السابق..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٠-٢٤١..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤١..
٢١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٣ في ب: قال..
٢٤ في ب: وثالثها. وهو تحريف..
٢٥ تعالى: سقط من ب..
٢٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٧ أما: سقط من ب..
٢٨ أما: سقط من ب..
٢٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٠ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٣١ في ب: يقبل ذلك أضرار..
٣٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٣ الفخر الرازي ٢٤/٢٤١..
٣٤ في ب: موسى..
٣٥ في ب: وصفت..
٣٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤١..
٣٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٩ فـ: تكملة ليست في المخطوط..
٤٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤١..
٤١ القصص: سقط من الأصل..
٤٢ في ب: من ولد..
٤٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٢..
٤٥ في ب: وثمانمائة..
٤٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية