يَطْلُبُ نُصْرَتَهُ بِصِيَاحٍ وَصُرَاخٍ، قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْغَوِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى مُفْعِلٍ أَيْ إِنَّكَ لَمُغْوٍ لِقَوْمِي فَإِنِّي وَقَعْتُ بِالْأَمْسِ فِيمَا وَقَعْتُ فِيهِ بِسَبَبِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْغَاوِي.
وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَدَحَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَالَ كَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ مَنْ شِيعَتِهُ يَسْتَصْرِخُهُ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ؟ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانُوا غِلَاظًا جُفَاةً أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ بَعْدَ مُشَاهَدَةِ الْآيَاتِ اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨] فَالْمُرَادُ بِالْغَوِيِّ الْمُبِينِ ذَلِكَ الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا سَمَّاهُ غَوِيًّا لِأَنَّ مَنْ تَكْثُرُ مِنْهُ الْمُخَاصَمَةُ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ دَفْعُ خَصْمِهِ عَمَّا يَرُومُهُ مِنْ ضَرَرِهِ يَكُونُ خِلَافَ طَرِيقَةِ الرُّشْدِ. وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تعالى: قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ أَهْوَ مِنْ كَلَامِ الْإِسْرَائِيلِيِّ أَوِ الْقِبْطِيِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمَّا خَاطَبَ مُوسَى الْإِسْرَائِيلِيَّ بِأَنَّهُ غَوِيٌّ وَرَآهُ عَلَى غَضَبٍ ظَنَّ لَمَّا هَمَّ بِالْبَطْشِ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قَتْلَهُ بِالْأَمْسِ لِلرَّجُلِ إِلَّا هُوَ، وَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِظُهُورِ الْقَتْلِ وَمَزِيدِ الْخَوْفِ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ/ قَوْلُ الْقِبْطِيِّ، وَقَدْ كَانَ عَرَفَ الْقِصَّةَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّ، وَالظَّاهِرُ هَذَا الوجه لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى فَهَذَا الْقَوْلُ إِذَنْ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ قَوْلًا لِلْكَافِرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَبَّارَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ بِظُلْمٍ لَا يَنْظُرُ فِي الْعَوَاقِبِ وَلَا يَدْفَعُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَقِيلَ الْمُتَعَظِّمُ الَّذِي لَا يَتَوَاضَعُ لِأَمْرِ أَحَدٍ، وَلَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ انْتَشَرَ الْحَدِيثُ فِي الْمَدِينَةِ وَانْتَهَى إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» يَسْعَى يَجُوزُ ارتفاعه وصفا لرجل، وَانْتِصَابُهُ حَالًا عَنْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالِائْتِمَارُ التَّشَاوُرُ يُقَالُ الرَّجُلَانِ [يتآمران] «١» يَأْتَمِرَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْمُرُ صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ أَوْ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِأَمْرٍ وَالْمَعْنَى يَتَشَاوَرُونَ بِسَبَبِكَ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، فَعَلَى وَجْهِ الْإِشْفَاقِ أَسْرَعَ إِلَيْهِ لِيُخَوِّفَهُ بِأَنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ أَيْ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَنْتَظِرُ هَلْ يَلْحَقُهُ طَلَبٌ فَيُؤْخَذُ، ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى اللَّه تَعَالَى لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا مَلْجَأَ سِوَاهُ فَقَالَ: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ لِذَلِكَ الْقِبْطِيِّ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا، وَإِلَّا لَكَانَ هُوَ الظَّالِمُ لَهُمْ وَمَا كَانُوا ظَالِمِينَ لَهُ بِسَبَبِ طَلَبِهِمْ إِيَّاهُ ليقتلوه قصاصا.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٨]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ فقال بَعْضُهُمْ إِنَّهُ خَرَجَ وَمَا قَصَدَ مَدْيَنَ وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ نَفْسَهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَأَخَذَ يَمْشِي مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَأَوْصَلَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى مَدْيَنَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ آخَرُونَ لَمَّا خَرَجَ قَصَدَ مَدْيَنَ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ قَرَابَةً لِأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ بَلِ اعْتَمَدَ عَلَى فَضْلِ اللَّه تَعَالَى، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ بَلْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَّمَهُ الطَّرِيقَ
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ لَمَّا أَخَذَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَسِيرِ جَاءَهُ مَلَكٌ عَلَى فَرَسٍ فَسَجَدَ لَهُ مُوسَى مِنَ الْفَرَحِ، فَقَالَ لَا تَفْعَلْ وَاتَّبِعْنِي فَاتَّبَعَهُ نَحْوَ مَدْيَنَ،
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ خَرَجَ وَمَا قَصَدَ مَدْيَنَ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ وَلَوْ كَانَ قَاصِدًا لِلذَّهَابِ إِلَى مَدْيَنَ لَقَالَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى مَدْيَنَ فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قَالَ: تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَّا إِلَى ذَلِكَ الْجَانِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَانِبَ إِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ وَهَذَا كَلَامُ شَاكٍّ لَا عَالِمٍ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ قَصَدَ الذَّهَابَ إِلَى مَدْيَنَ وَمَا كَانَ عَالِمًا بِالطَّرِيقِ. ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي عَقْلِهِ وَذَكَائِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ، ثم قال ابْنُ إِسْحَاقَ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَى مَدْيَنَ بِغَيْرِ زَادٍ وَلَا ظَهْرٍ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ جَدِّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصَّافَّاتِ: ٩٩] وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَلَّمَا يَذْكُرُ كَلَامًا فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالْجَوَابِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَكَذَا الْخَلَفُ الصِّدْقُ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ الطَّيِّبِينَ الْمُطَهَّرِينَ وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَسْقُونَ مِنْهُ وَكَانَ بِئْرًا فِيمَا رُوِيَ وَوُرُودُهُ مَجِيئُهُ وَالْوُصُولُ إِلَيْهِ وَجَدَ عَلَيْهِ أَيْ فَوْقَ شَفِيرِهِ وَمُسْتَقَاهُ أُمَّةً جَمَاعَةً كَثِيرَةَ الْعَدَدِ مِنَ النَّاسِ مِنْ أُنَاسٍ مُخْتَلِفِينَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ مِنْ مَكَانِهِمْ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ وَالذَّوْدُ الدَّفْعُ وَالطَّرْدُ فَقَوْلُهُ (تَذُودَانِ) أَيْ تَحْبِسَانِ ثُمَّ فِيهِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: تَحْبِسَانِ أَغْنَامَهُمَا وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ ذَلِكَ الْحَبْسِ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَالَ الزَّجَّاجُ لِأَنَّ عَلَى الْمَاءِ مَنْ كَانَ أَقْوَى مِنْهُمَا فَلَا يَتَمَكَّنَانِ مِنَ السَّقْيِ وَثَانِيهَا: كَانَتَا تَكْرَهَانِ الْمُزَاحِمَةَ عَلَى الْمَاءِ وَثَالِثُهَا:
لِئَلَّا تَخْتَلِطَ أَغْنَامُهُمَا بِأَغْنَامِهِمْ وَرَابِعُهَا: لِئَلَّا تَخْتَلِطَا بِالرِّجَالِ الْقَوْلُ الثَّانِي: كَانَتَا تَذُودَانِ عن وجوههما نظرا النَّاظِرِ لِيَرَاهُمَا وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ غَنَمِهِمَا الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَ الْفَرَّاءُ تَحْبِسَانِهَا عَنْ أَنْ تَتَفَرَّقَ وَتَتَسَرَّبَ قالَ مَا خَطْبُكُما أَيْ مَا شَأْنُكُمَا وَحَقِيقَتُهُ مَا مَخْطُوبُكُمَا أَيْ مَطْلُوبُكُمَا مِنَ الذِّيَادِ فَسُمِّيَ الْمَخْطُوبُ خَطْبًا كَمَا يُسَمَّى المشئون شأنا في قولك ما شأنك فقالتا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ وذلك
يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِمَا عَنِ السَّقْيِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَادَةَ فِي السَّقْيِ لِلرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ يَضْعُفْنَ عَنْ ذَلِكَ وَثَانِيهَا: مَا ظَهَرَ مِنْ ذَوْدِهِمَا الْمَاشِيَةَ عَلَى طَرِيقِ التَّأْخِيرِ وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُمَا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَرَابِعُهَا: انْتِظَارُهُمَا لِمَا يَبْقَى مِنَ الْقَوْمِ مِنَ الْمَاءِ وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُمَا: وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ وَدَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوِيًّا حَضَرَ وَلَوْ حَضَرَ لَمْ يَتَأَخَّرِ السَّقْيُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَقَى لَهُمَا قَبْلَ صَدْرِ الرِّعَاءِ، وَعَادَتَا إِلَى أَبِيهِمَا قَبْلَ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الدَّالِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَكَسْرِ الدَّالِ فَالْمَعْنَى فِي الْقِرَاءَةِ الْأُولَى حَتَّى يَنْصَرِفُوا عَنِ الْمَاءِ وَيَرْجِعُوا عَنْ سَقْيِهِمْ وَصَدَرَ ضِدُّ وَرَدَ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْيَاءِ فَالْمَعْنَى فِي الْقِرَاءَةِ حَتَّى يُصْدِرَ الْقَوْمُ مَوَاشِيهمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: فَسَقى لَهُما أَيْ سَقَى غَنَمَهُمَا لِأَجْلِهِمَا، وَفِي كَيْفِيَّةِ السَّقْيِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ الْقَوْمَ أَنْ يَسْمَحُوا فَسَمَحُوا وَثَانِيهِمَا: قَالَ قَوْمٌ عَمَدَ إِلَى بِئْرٍ عَلَى رَأْسِهِ صَخْرَةٌ لَا يُقِلُّهَا إِلَّا عَشَرَةٌ، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ مِائَةٌ فَنَحَّاهَا بِنَفْسِهِ وَاسْتَقَى الْمَاءَ مِنْ ذَلِكَ الْبِئْرِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا زَاحَمَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعَمَّدُوا إِلْقَاءَ ذَلِكَ الْحَجَرِ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ فَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَمَى ذَلِكَ الْحَجَرَ وَسَقَى لَهُمَا وَلَيْسَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ واللَّه أَعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنْهُ، لَكِنَّ الْمَرْأَةَ وَصَفَتْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقُوَّةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا شَاهَدَتْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ قُوَّتِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ سَقَى لَهُمَا فِي شَمْسٍ وَحَرٍّ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى كَمَالِ قُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ،
قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَتَى مُوسَى أَهْلَ الْمَاءَ فَسَأَلَهُمْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، فَقَالُوا لَهُ إِنْ/ شِئْتَ ائْتِ الدلو فاستق لهما قال تعم، وَكَانَ يَجْتَمِعُ عَلَى الدَّلْوِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا حَتَّى يُخْرِجُوهُ مِنَ الْبِئْرِ فَأَخَذَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الدَّلْوَ فَاسْتَقَى بِهِ وَحْدَهُ وَصَبَّ فِي الْحَوْضِ وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَرَّبَ غَنَمَهُمَا فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوِيَتْ ثُمَّ سَرَّحَهُمَا مَعَ غَنَمِهِمَا.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ سَاغَ لِنَبِيِّ اللَّه الَّذِي هُوَ شُعَيْبٌ أن يرضى لا بنتيه بِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ؟ قُلْنَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَاهُمَا كَانَ شُعَيْبًا وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا إِنَّ أَبَاهُمَا هُوَ بَيْرُونُ ابْنُ أَخِي شعيب وشعيب مات بعد ما عَمِيَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبِيدٍ وَقَالَ الْحَسَنُ إِنَّهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَبِلَ الدِّينَ عَنْ شُعَيْبٍ عَلَى أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِنْ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَأْبَاهُ، وَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فَالنَّاسُ فِيهَا مُخْتَلِفُونَ وَأَحْوَالُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ غَيْرُ أَحْوَالِ أَهْلِ الْحَضَرِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْحَالَةُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَالْمَعْنَى إِنِّي لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ غَثٍّ أَوْ سَمِينٍ لَفَقِيرٌ، وَإِنَّمَا عَدَّى فَقِيرًا بِاللَّامِ لِأَنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنَى سَائِلٍ وَطَالِبٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ، إِمَّا إِلَى الطَّعَامِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلَى الطَّعَامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُرِيدُ طَعَامًا يَأْكُلُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ مَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَذُقْ فِيهَا طَعَامًا إِلَّا بَقْلَ الْأَرْضِ،
وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَفَعَ صَوْتَهُ لِيُسْمِعَ الْمَرْأَتَيْنِ ذَلِكَ،
فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّةِ مَا قَدَرَ بِهَا عَلَى حَمْلِ ذَلِكَ الدَّلْوِ الْعَظِيمِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمَّتِهِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَطْلُبَ الطَّعَامَ، أَلَيْسَ
أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ سَوِيٍّ» ؟
قُلْنَا أَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ لِإِسْمَاعِ الْمَرْأَتَيْنِ وَطَلَبِ الطَّعَامِ فَذَاكَ لَا يَلِيقُ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْبَتَّةَ فَلَا تُقْبَلُ تِلْكَ الرِّوَايَةُ وَلَكِنْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ مَعَ رَبِّهِ تَعَالَى، وَفِي الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ كَأَنَّهُ قَالَ رَبِّ إِنِّي بِسَبَبِ مَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرِ الدِّينِ صِرْتُ فَقِيرًا فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ كان عند
فِرْعَوْنَ فِي مُلْكٍ وَثَرْوَةٍ، فَقَالَ ذَلِكَ رِضًى بِهَذَا الْبَدَلِ وَفَرَحًا بِهِ وَشُكْرًا لَهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَلْيَقُ بِحَالِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ فَقَوْلُهُ عَلَى اسْتِحْياءٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ مُسْتَحْيِيَةً، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدِ اسْتَتَرَتْ بِكُمِّ قَمِيصِهَا، وَقِيلَ مَاشِيَةٌ عَلَى بُعْدٍ مَائِلَةٌ عَنِ الرِّجَالِ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَلَى إِجْلَالٍ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ: تَمْشِي ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: عَلَى اسْتِحْياءٍ قَالَتْ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ يَعْنِي أَنَّهَا عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ قَالَتْ هَذَا الْقَوْلَ لِأَنَّ الْكَرِيمَ إِذَا دَعَا غَيْرَهُ إِلَى الضِّيَافَةِ يَسْتَحْيِي، لَا سِيَّمَا الْمَرْأَةُ وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعِينٌ سِوَاهُمَا
وَرُوِيَ أَنَّهُمَا لَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا قَبْلَ النَّاسِ، قَالَ لَهُمَا مَا أَعْجَلَكُمَا قَالَتَا وَجَدْنَا رَجُلًا صَالِحًا رَحِمَنَا فَسَقَى لَنَا، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا اذْهَبِي فَادْعِيهِ لِي،
أَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْخَ كَانَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ غَيْرَهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ شُعَيْبٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي الْبِنْتَيْنِ اسْمُ الْكُبْرَى صَفُورَا، وَالصُّغْرَى لِيَا، وَقَالَ غَيْرُهُ صَفْرَا وَصَفِيرَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ صَافُورَا وَالَّتِي جَاءَتْ إِلَى/ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هِيَ الْكُبْرَى عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ الصُّغْرَى، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا فَفِيهِ إِشْكَالَاتٌ: أَحَدُهَا: كَيْفَ سَاغَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ وَأَنْ يَمْشِيَ مَعَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ التُّهْمَةَ الْعَظِيمَةَ،
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «اتَّقُوا مَوَاضِعَ التُّهَمِ» ؟
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ سَقَى أَغْنَامَهُمَا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّه تَعَالَى فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْمُرُوءَةِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ؟ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ عَرَفَ فَقْرَهُنَّ وَفَقْرَ أَبِيهِنَّ وَعَجْزَهُمْ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ فِي نِهَايَةِ الْقُوَّةِ بِحَيْثُ كَانَ يُمْكِنُهُ الْكَسْبُ الْكَثِيرُ بِأَقَلِّ سَعْيٍ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ طَلَبُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ السَّقْيِ مِنَ الشَّيْخِ الْفَقِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْفَقِيرَةِ؟ وَرَابِعُهَا: كَيْفَ يَلِيقُ بِشُعَيْبٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَبْعَثَ ابْنَتَهُ الشَّابَّةَ إِلَى رَجُلٍ شَابٍّ قَبْلَ الْعِلْمِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ عَفِيفًا أَوْ فَاسِقًا؟ وَالْجَوَابُ: عَنِ الْأَوَّلِ أَنْ نَقُولَ:
أَمَّا الْعَمَلُ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَكَمَا نَعْمَلُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فِي الْأَخْبَارِ وَمَا كَانَتْ إِلَّا مُخْبِرَةً عَنْ أَبِيهَا، وَأَمَّا الْمَشْيُ مَعَ الْمَرْأَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ مَعَ الِاحْتِيَاطِ وَالتَّوَرُّعِ وَالْجَوَابُ: عَنِ الثَّانِي، أَنَّ الْمَرْأَةَ وَإِنْ قَالَتْ ذَلِكَ فَلَعَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِمْ طَلَبًا لِلْأُجْرَةِ بَلْ لِلتَّبَرُّكِ بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الشَّيْخِ،
وَرُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ لِيَجْزِيَكَ كَرِهَ ذَلِكَ، وَلَمَّا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ امْتَنَعَ، وَقَالَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَبِيعُ دِينَنَا بِدُنْيَانَا، وَلَا نَأْخُذُ عَلَى الْمَعْرُوفِ ثَمَنًا، حَتَّى قَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذِهِ عَادَتُنَا مَعَ كُلِّ مَنْ يَنْزِلُ بِنَا،
وَأَيْضًا فَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ أَنَّ الْجُوعَ قَدْ بَلَغَ إِلَى حَيْثُ مَا كَانَ يُطِيقُ تَحَمُّلَهُ فَقَبِلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاضْطِرَارِ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ: عَنِ الثَّالِثِ فَإِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَالْجَوَابُ: عَنِ الرَّابِعِ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِالْوَحْيِ طَهَارَتَهَا وَبَرَاءَتَهَا فَكَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا.
أَمَّا قَوْلُهُ: فَلَمَّا جاءَهُ
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَامَ يَمْشِي وَالْجَارِيَةُ أَمَامَهُ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ عَنْهَا فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنِّي مِنْ عُنْصُرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكُونِي مِنْ خَلْفِي حَتَّى لَا تَرْفَعَ الرِّيحُ ثِيَابَكِ فَأَرَى مَا لَا يَحِلُّ لِي، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى شُعَيْبٍ فَإِذَا الطَّعَامُ مَوْضُوعٌ، فَقَالَ شُعَيْبٌ تَنَاوَلْ يَا فَتَى، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعُوذُ باللَّه قَالَ شُعَيْبٌ وَلِمَ؟ قَالَ لِأَنَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا نَبِيعُ دِينَنَا بِمَلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، فَقَالَ شُعَيْبٌ وَلَكِنَّ عَادَتِي وَعَادَةَ آبَائِي إِطْعَامُ الضَّيْفِ فَجَلَسَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَكَلَ،
وَإِنَّمَا كَرِهَ أَكْلَ الطَّعَامِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ
أُجْرَةً لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَلَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ مَعَ الْخَضِرِ حِينَ قَالَ: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف: ٧٧] وَالْفَرْقُ أَنَّ أَخْذَ الْأَجْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ لَا يَجُوزُ، أَمَّا الِاسْتِئْجَارُ ابْتِدَاءً فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ فَالْقَصَصُ مَصْدَرٌ كَالْعَلَلِ سُمِّيَ بِهِ الْمَقْصُوصُ، قَالَ الضَّحَّاكُ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّه، فَقَالَ أَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ وَذَكَرَ لَهُ جَمِيعَ أَمْرِهِ مِنْ لَدُنْ وِلَادَتِهِ وَأَمْرِ الْقَوَابِلِ وَالْمَرَاضِعِ وَالْقَذْفِ فِي الْيَمِّ، وَقَتْلِ/ الْقِبْطِيِّ وَأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ شُعَيْبٌ: لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أَيْ لَا سُلْطَانَ لَهُ بِأَرْضِنَا فَلَسْنَا فِي مَمْلَكَتِهِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَنِ الْوَحْيِ أَوْ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْعَادَةُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُفَسِّرُونَ قَالُوا إِنَّ فِرْعَوْنَ يَوْمَ رَكِبَ خَلْفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَكِبَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَالْمَلِكُ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مُلْكِهِ قَرْيَةٌ عَلَى بُعْدِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ دَارِ مَمْلَكَتِهِ؟ قُلْنَا هَذَا وَإِنْ كَانَ نَادِرًا إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ: قالَتْ إِحْداهُما يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: وَصَفَتْهُ بِالْقُوَّةِ لِمَا شَاهَدَتْ مِنْ كَيْفِيَّةِ السَّقْيِ وَبِالْأَمَانَةِ لِمَا حَكَيْنَا مِنْ غَضِّ بَصَرِهِ حَالَ ذَوْدِهِمَا الْمَاشِيَةَ وَحَالَ سَقْيِهِ لَهُمَا وَحَالَ مَشْيِهِ بَيْنَ يَدَيْهَا إِلَى أَبِيهَا.
المسألة الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا جعل خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ اسما والْقَوِيُّ الْأَمِينُ خَبَرًا مَعَ أَنَّ الْعَكْسَ أَوْلَى لِأَنَّ الْعِنَايَةَ هِيَ سَبَبُ التَّقْدِيمِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ لَا يَكْفِيَانِ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِمَا الْفِطْنَةُ وَالْكِيَاسَةُ، فَلِمَ أَهْمَلَ أَمْرَ الْكِيَاسَةِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْأَمَانَةِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّه: «أَفْرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ بِنْتُ شُعَيْبٍ وَصَاحِبُ يُوسُفَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي عُمَرَ».
أَمَّا قَوْلُهُ: قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ فَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرْدِيدِ لَكِنَّهُ عِنْدَ التَّزْوِيجِ عَيَّنَ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى أَقَلِّ الْأَجَلَيْنِ، فَكَانَتِ الزِّيَادَةُ كَالتَّبَرُّعِ، وَالْفُقَهَاءُ رُبَّمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَكُونُ مَهْرًا كَالْمَالِ وَعَلَى أَنَّ إِلْحَاقَ الزِّيَادَةِ بِالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ جَائِزٌ، وَلَكِنَّهُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا فَلَا يَلْزَمُنَا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أَنْ يُشْرَطَ لِلْوَلِيِّ مَنْفَعَةٌ، وَعَلَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ بَدَلٍ تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ وَعَلَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الَّتِي لَا يُوجِبُهَا الْعَقْدُ، ثم قال: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ تأجرني من أجرته مِنْ أَجَرْتُهُ إِذَا كُنْتَ لَهُ أَجِيرًا وَثَمَانِيَ حِجَجٍ ظَرْفُهُ أَوْ مِنْ أَجَرْتُهُ كَذَا إِذَا أثبته إياه ومنه أجركم اللَّه ورحمكم وثماني حِجَجٍ مَفْعُولٌ بِهِ وَمَعْنَاهُ رَعِيَّةً ثَمَانِيَ حِجَجٍ ثم قال: وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: لَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ بِإِلْزَامِ إِثْمِ الرَّجُلَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ مَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ شَقَقْتُ عَلَيْهِ وَشَقَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ؟ قُلْنَا حَقِيقَتُهُ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا تَعَاظَمَكَ فَكَأَنَّهُ شَقَّ عَلَيْكَ ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ، تَقُولُ تَارَةً أُطِيقُهُ وَتَارَةً لَا أُطِيقُهُ الثَّانِي: لَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ فِي الرَّعْيِ وَلَكِنِّي أُسَاهِلُكَ فِيهَا وَأُسَامِحُكَ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَلَا أُكَلِّفُكَ الِاحْتِيَاطَ الشَّدِيدَ فِي كَيْفِيَّةِ الرَّعْيِ، وَهَكَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ آخِذِينَ بِالْأَسْمَحِ فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ، وَمِنْهُ
الْحَدِيثُ «كَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِيكِي فَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُدَارِي وَلَا يُشَارِي وَلَا يُمَارِي»
ثُمَّ قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: يُرِيدُ بِالصَّلَاحِ حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ وَلِينَ الْجَانِبِ وَالثَّانِي: يُرِيدُ الصَّلَاحَ عَلَى الْعُمُومِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لِلِاتِّكَالِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَمَعُونَتِهِ.
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي