ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

ثم ذكر اتصاله بشعيب، فقال :
فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
قلت :( تمشي ) : حال من ( إحداهما )، و( على استحياء ) : حال من ضمير ( تمشي )، أي : تمشي مستحيية. و( القصص ) : مصدر، سُمِّيَ به المقصوص.
يقول الحق جل جلاله : فجاءته إحداهما ؛ وهي التي تزوجها، وذلك أنه لما سقى لهما رجعا إلى أبيهما بغنمهما بِطاناً حُفَّلاً، فقال لهما : ما أعجلكما ؟ فقالتا له : وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا ؛ فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما : أدعيه، فجاءته تمشي على استحياء قد سترت وجهها بكفها، واستترت بكُمِّ درعها. وهذا دليل على كمال إيمانها وشرف عنصرها ؛ لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها، ولم تعلم أيجيبها أم لا ؟ فقالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجرَ ما سَقيت لنا ، " ما " مصدرية، أي : أجر سُقْيَاك لنا، فتبعها موسى، فألزقت الريح ثوبها بجسدها، فوصفته، فقال لها : امشي خلفي، وانعتي الطريق، فإننا بَني يعقوب، لا ننظر إلى أعجاز النساء.
فلما جاءه وقصَّ عليه القَصص ، أي : قصته وأحواله مع فرعون، وكيف أراد قَتْلَهُ، قال له : لا تخفْ نجوتَ من القوم الظالمين ؛ فرعون وقومه ؛ إذ لا سلطان له على أرضنا - مدين -، أو : قَبِلَ الله دعاءك في قولك : رب نجني من القوم الظالمين . وفيه دليل على العمل بخير الواحد، ولو أنثى، والمشي مع أجنبية على ذلك الاحتياط والتورع. قاله النسفي. وفيه نظر ؛ لعصمة الأنبياء - عليهم السلام -، وما أخذ الأجر على البر والمعروف ؛ فقيل : لا بأس به عند الحاجة، كما كان لموسى عليه السلام، على أنه رُوي أنه لمّا قالت له : ليجزيك ؛ كره ذلك. وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها ؛ لأن للقاصد حرمة.
ولما وضع شعيب الطعام بين يديه ؛ امتنع، فقال شعيب : ألست جائعاً ؟ فقال : بلى، ولكن أخاف أن يكون عوضاً مما سَقَيْتُ لهما، وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا، ولا نأخذ على المعروف شيئاً، فقال شعيب : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، فأكل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : فجاءته - أي : القلب - إحدى الخصلتين ؛ الفناء والبقاء، تمشي على مهل وقدر ؛ فإن الوصول إلى المقامات إنما يكون بتدريج، على حسب القَدَر السابق. قالت إحدى الخصلتين : إن ربي يدعوك إلى حضرته ؛ ليجزيك أجر ما سقيت، واستعملت في جانب الوصول إلينا. فلما جاءه، أي : وصل إليه، وتمكن منه، وقص عليه القصص، وهو ما جرى له مع نفسه وجنودها من المجاهدات والمكابدات، قال : لا تخف اليوم، حين وصلت إلينا، نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما : يا رب استأجره في العبودية شكراً، إن خير من استأجرت القوي الأمين ؛ لأن عمله بالله، محفوفاً برعاية الله، قال : إني أريد أن أعطيك إحدى الخصلتين، إما الإقامة في الفناء المستغرِق، أو الرجوع إلى البقاء المستفيق، لتقوم بالأدب على أن تخدم ثماني حجج، فإن أتممت عشراً، لزيادة التمكين، فمن عندك، فأقل خدمة المريد للشيخ ثماني سنين، ونهايتها نهاية التمكين. قال الورتجبي : لأن شعيباً، عليه السلام رأى بنور النبوة أن موسى عليه السلام يبلغ درجة الكمال في ثماني حجج، ولا يحتاج إلى التربية بعد ذلك، ورأى أن كمال الكمال في عشر حجج ؛ لأنه رأى أن بعد العشرة لا يبقى مقام الإرادة، ويكون بعد ذلك حراً، ولذلك قال : وما أريد أن أشق عليك. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير