ثم قال تعالى : وأن أَلْق عَصَاكَ ، أي : نودي : أن ألق عصاك، فألقاها، فقلبها الله ثعباناً، فلما رآها تهتزُّ ؛ تتحرك كأنها جانٌّ ؛ حية رقيقة. فإن قيل : كيف قال في موضع :( كأنها جان )، وفي أخرى : فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ [ الأعراف : ١٤٣ ] ؟ قلت : هي في أول أمرها جان، وفي آخر أمرها ثعبان ؛ لأنها كانت تصير حية على قدر العصا، ثم لا تزال تنتفخ حتى تصير كالثعبان، أو : يُريد في سرعة الجان وخفته، وفي قوة الثعبان. فلما رآها كذلك ولّى مُدْبِراً ولم يُعقِّبْ ؛ ولم يرجع عقبه. فقيل له : يا موسى أقبلْ ولا تخفْ إنك من الآمنين ، أي : أمنت من أن ينالك مكروه من الحية.
وقوله تعالى : من الشجرة ؛ أي : نودي منها حقيقة ؛ إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ومظاهره، فيكلم عباده من حيث شاء منها. قال في العوارف : الصوفي ؛ لتجرده، يشهد التالي كشجرة موسى، حيث أسمعه الله خطابه منها، بأني أنا الله لا إله إلا أنا. هـ. فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من الله، بلا واسطة، قد سقطت الوسائط في حقهم، حين غرقوا في بحر شهود الذات، فافهم. وقال في القوت : كانت الشجرة وجهة موسى عليه السلام، كلمة الله عز وجل منها، كما قال بعضهم : إن قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ الأعراف : ١٠٧، والشعراء : ٣٢ ]، أي : بالجبل، كان الجبل من جهة الحس حجاباً لموسى، كشفه الله عنه، فتجلى به، كما قال : من الشجرة ؛ فكانت الشجرة وجهة له عليه السلام هـ، بإيضاح. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي