ثم يقول الحق سبحانه :
وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين٣١
وفي موضع آخر يسأله ربه ليؤنسه : وما تلك بيمينك يا موسى ١٧ [ طه ] وقلنا : إن موسى – عليه السلام – أطال في هذا الوقف ليطيل مدة الأنس بربه، فلما أحس أنه أسرف وأطال قال : ولي فيها مآرب أخرى ١٨ [ طه ] فأطنب أولا ليزداد أنسه بربه، ثم أوجز ليظل أدبه مع ربه.
أما هنا فيأتي الأمر مباشرة ليوظف العصا : وأن ألق عصاك.. ٣١ [ القصص ]
وقوله : فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب.. ٣١ [ القصص ] لأنه رأى عجيبة أخرى أعجب مما سبق فلو سلمنا باشتعال النار في خضرة الشجرة، فكيف نسلم بانقلاب العصا جانا يسعى ويتحرك ؟
وكان من الممكن أن تنقلب العصا الجافة إلى شجرة خضراء من جنس العصا، وتكون أيضا معجزة، أما أن تتحول إلى جنس آخر، وتتعدى النباتية إلى الحيوانية والحيوانية المتحركة المخيفة، فهذا شيء عجيب غير مألوف.
وهنا كلام محذوف ؛ لأن القرآن الكريم مبني على الإيجاز، فالتقدير : فألقى موسى عصاه فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا.. ٣١ [ القصص ] ذلك ليترك للعقل فرصة الاستنباط، ويحرك الذهن لمتابعة الأحداث.
والجان : قلنا هو فرح الحية، وقد صورت في هذه القصة بأنها : جان، وثعبان، وحية. وهي صور ثلاثة للشيء الواحد، فهي في خفتها جان، وفي طولها ثعبان، وفي غلظها حية.
ومعنى ولى مدبرا.. ٣١ [ القصص ] يعني : انصرف خائفا، ولم يعقب.. ٣١ [ القصص ] لم يلتفت إلى الوراء، فناداه ربه : يا موسى أقبل ولا تخف.. ٣١ [ القصص ] يعني : ارجع ولا تخف من شيء، ثم يعطيه القضية التي يجب أن تصاحبه في كل تحركاته في دعوته إنك من الآمنين٣١ [ القصص ] فلم يقل ارجع فسوف أؤمنك في هذا الموقف إنما إنك من الآمنين٣١ [ القصص ]
يعني : هي قضية مستمرة ملازمة لك ؛ لأنك في معية الله، ومن كان في معية الله لا يخاف، وإلا لو خفت الآن، فماذا ستفعل أمام فرعون ؟
وهكذا يعطي الحق – سبحانه وتعالى – لموسى – عليه السلام – دربة معه سبحانه، ودربة حتى يواجه فرعون وسحرته والملأ جميعا دون خوف ولا وجل، وليكون على ثقة من نصر الله وتأييده في جولته الأخيرة أمام فرعون.
وقد انتفع موسى – عليه السلام – بكل هذه المواقف، وتعلم من هذه العجائب التي رآها فزادته ثقة وثباتا ؛ لذلك لما كاد فرعون أن يلحق بجنوده موسى وقومه، وقالوا : إنا لمدركون٦١ [ الشعراء ] استعاد موسى عليه السلام قضية إنك من الآمنين٣١ [ القصص ] فقال بملء فيه : قال كلا إن معي ربي سيهدين٦٢ [ الشعراء ]
فيحثه الثقة عند موسى – عليه السلام – هي معية الله له، قالها موسى، ويمكن أن تكذب في وقتها حالا، فهاهم البحر من أمامهم، وفرعون من خلفهم، لكنها ثقة من أمنه الله، وجعله في معيته وحفظه.
وهذا الأمن قد كلفه الله تعالى لجميع أنبيائه ورسله، فقال تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين١٧١ إنهم المنصورون١٧٢ وإن جندنا لهم الغالبون١٧٣ [ الصافات ]
وقال : يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون١٠ [ النمل ]
وقد قص هذا كله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فانتفع به ووثق في نصر الله، فلما قال له الصديق وهما في الغار : يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، قال صلى الله عليه وسلم :( ( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما ) )(١).
وحكى القرآن قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه : لا تحزن إن الله معنا.. ٤٠ [ التوبة ] وما دمنا في معية من لا تدركه الأبصار، فلن تدركنا الأبصار.
تفسير الشعراوي
الشعراوي