ثم ذكر عناد فرعون وتجبره، قال :
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِيا آبَآئِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّيا أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّيا أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ
يقول الحق جل جلاله : فلما جاء موسى بآياتنا ؛ معجزاتنا التسع بيناتٍ ؛ واضحات قالوا ما هذا إلاّ سِحْرٌ مُفْتَرى ؛ سحر تعمله أنت، ثم تفتريه على الله، أو : سحر موصوف بالافتراء، كسائر أنواع السحر، وليس بمعجزة من عند الله، وما سمعنا بهذا ، يعني : السحر، أو : ادعاء النبوة، في آبائنا الأولين ، الجار : حال منصوبة بهذا، أي : ما سمعنا بهذا كائناً في آبائنا، أي : ما حُدِّثْنَا بكونه فيهم، ولا موجوداً في آبائهم.
ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب، وهو التذلل والخضوع، كما قائل القائل :تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى ؛ لِتَكْسِبَ عِزَّةً فَكَمْ عِزَّةٍ قَدْ نالَهَا المَرْءُ بِالذُّلِّ إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً، وَلَمْ تَكُنْ ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوَصْلِ أدَبُ الْعَبْـدِ تَـذَلُّـلٌ وَالْعَبْـدُ لاَ يَـدَعُ الأدَبْ فَإذَا تَكَـامَـلَ ذُلّـهُ ؛ نَـالَ الْمَـوَدَّةَ، وَاقْتَـرَبْ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي