وقال فرعونُ يا أيها الملأُ ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري ، قصد بنفي علمه بإله غيره نَفِيَ وُجُودِهِ، أي : مالكم إله غيري. قاله ؛ تجبراً ومكابرة، وإلا فهو مقر بالربوبية ؛ لقوله تعالى ؛ حاكياً عن موسى عليه السلام : لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [ الإسراء : ١٠٢ ]، ورُوي أنه كان إذا جن الليل، لبس المسوح وتمرغ في الرماد، وقال : يا رب إني كذاب فلا تفضحني.
ثم أَمَرَ ببنيان الصرح زيادة في الطغيان، بقوله : فأوقِدْ لي يا هامانُ على الطين أي : اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل مكان الطين : آجرّ ؛ لأنه أول من عمله، فهو معلمه الصنعة بهذه العبارة، فاجعل لي صرحاً أي : قصراً عالياً، لعَلِّي أَطَّلِعُ أي : أصعد. فالطلوع والاطلاع : الصعود، إلى إِلهِ موسى ، حسب الجاهل أنه في مكان مخصوص، كما كان هو في مكان، وإِني لأظنه أي : موسى من الكاذبين في دعواه أن له إلهاً، وأنه أرسله إلينا رسولاً.
وهذا تناقض من المخذول، فإنه قال أولاً : ما علمتُ لكم من إله غيري ، ثم أظهر حاجته إلى هامان، وأثبت لموسى إلهاً، وأخبر أنه غير متيقن بكذبه، وهذا كله تهافت. وكأنه تحصن من عصى موسى فلبّس وقال : لعلِّي أطلعُ إلى إله موسى .
رُوي أنه لما أمر وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامانُ العمال، خمسين ألف بنّاء، سوى الأتباع والأُجراء – فبنوا، ورفعوه بحيث لم يبلغه بنيان قط، منذ خلق الله السماوات والأرض. أراد الله أن يفتنهم فيه، فصعده فرعون وقومه، ورموا بُنُشّابة نحو السماء، فرجعت مُلَطَّخَةَ بالدم، فقال : قد قتلنا إله السماء، فضرب جبريل الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون، فقتلت ألفَ ألفِ رجل، وقطعة على البحر، وقطعة في الغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك. ه.
ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب، وهو التذلل والخضوع، كما قائل القائل :تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى ؛ لِتَكْسِبَ عِزَّةً فَكَمْ عِزَّةٍ قَدْ نالَهَا المَرْءُ بِالذُّلِّ إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً، وَلَمْ تَكُنْ ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوَصْلِ أدَبُ الْعَبْـدِ تَـذَلُّـلٌ وَالْعَبْـدُ لاَ يَـدَعُ الأدَبْ فَإذَا تَكَـامَـلَ ذُلّـهُ ؛ نَـالَ الْمَـوَدَّةَ، وَاقْتَـرَبْ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي