ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

واو، على ما في مصاحف أهل مكة، وهي قراءة حسنة، لأنّ الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم به موسى عليه السلام عند تسميتهم مثل تلك الآيات الباهرة: سحرا مفترى. ووجه الأخرى:
أنهم قالوا ذلك، وقال موسى عليه السلام هذا، ليوازن الناظر بين القول والمقول، ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر:
وبضدّها تتبيّن الأشياء «١»
وقرئ تكون: بالياء والتاء.
[سورة القصص (٢٨) : آية ٣٨]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)

(١).
من يظلم القرناء في تكليفهم أن يصبحوا وهم له أكفاء
ويذمهم وبهم عرفنا فضله وبضدها تتميز الأشياء
لأبى الطيب المتنبي، بمدح هارون بن عبد العزيز، أى: أنه تظلم أقرانه في تكليفهم أن يكونوا مساوين له، وفي ذلك مشقة عليهم: كناية عن أنه لا يساويه أحد. وقوله: وبضدها إلى آخره: دليل على ما قبله. ويروى:
تتبين الأشياء، والمعنى واحد، أى: الأشياء تعرف بمعرفة معنى أضدادها.

صفحة رقم 412

روى أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان الباني لا يقدر أن يقف على رأسه يبنى، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع: وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك. ويروى في هذه القصة: أنّ فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء، فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعندها بعث الله جبريل عليه السلام لهدمه، والله أعلم بصحته. قصد بنفي علمه بإله غيره: نفى وجوده، معناه:
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي كما قال الله تعالى قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ معناه بما ليس فيهن، وذلك لأنّ العلم تابع للمعلوم لا يتعلق به إلا على ما هو عليه، فإذا كان الشيء معدوما لم يتعلق به موجود. فمن ثمة كان انتفاء العلم بوجوده لا انتفاء وجوده. وعبر عن انتفاء وجوده بانتفاء العلم بوجوده «١». ويجوز أن يكون على ظاهره، وأنّ إلها غيره غير معلوم عنده،

(١). قال محمود: «عبر عن نفى المعلوم بنفي العلم، وإنما كان كذلك لأن العلم لا يتعلق بالمعلوم إلا على ما هو عليه إن موجودا فموجود وإن معدوما فمعدوم، فمن ثم عبر عن نفى كونه موجودا بنفي كونه معلوما» قال أحمد:
لشدة ما بلغ منه الوهم، لم يتأمل كيف سقوط السهم، وإنما أتى من حيث أن الله تعالى عبر كثيرا عن نفى المعلوم بنفي العلم في مثل قوله: قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض، أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض، فلما اطرد ذلك عنده توهم أن هذا التعبير عن نفى المعلوم بنفي العلم يشمل كل علم، ولو لم يتعلق بالمعلوم على ما هو به، وليس هو كذلك، بل هذا التعبير لا يسوغ إلا في علم الله تعالى لأمر يخص العلم القديم وهو عموم تعلقه حتى لا يعزب عنه أمر، فما لم يتعلق العلم بوجوده يلزم أن لا يكون موجودا، إذ لو كان موجودا لتعلق به بخلاف علم الخلق، فلا تلازم بين نفى الشيء ونفى العلم الحادث بوجوده، ولا كذلك العلم القديم، فان بين نفى معلومه ونفى تعلقه بوجوده تلازما سوغ التعبير المذكور، ولكن المعلوم أن فرعون كان يدعى الالهية ويعامل علمه معاملة علم الله تعالى في أنه لا يعزب عنه شيء، فمن ثم طغى وتكبر. وعبر بنفي علمه عن نفى المعلوم، تدليسا على ملئه، وتلبيسا على عقولهم السخيفة- والله أعلم- ويناسب تعاظمه هذا قوله فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ ولم يقل: فاطبخ لي آجرا، وذلك من التعاظم، كما قال تعالى- وله العظمة والكبرياء، ومن ارتدى بردائهما قصمه-: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ فذكر هذه العبارة الجامعة لأنواع الكفر على وجه الكبرياء تهاونا بها، وذلك من تجبر الملوك- جل الله وعز- ومن تعاظم فرعون أيضا: نداؤه لوزيره باسمه، وبحرف النداء وتوسيط ندائه خلال الأمر، وبناؤه الصرح ورجاؤه الاطلاع: دليل على أنه لم يكن مصمما على الجحود. قال الزمخشري: وذلك مناقض لما أظهر من الجحد الجازم في قوله ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فاما أن يخفى هذا التناقض على قومه لغباوتهم وكآبة أذهانهم. وإما أن يتفطنوا لها ويخافوا نقمته فيصروا. قال أحمد: ولقائل- والله أعلم- أن يحمل قوله ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي على الشك، ونفى علمه خاصة، وإجرائه مجرى سائر علوم الخلق في أنه لا يلزم من نفى تعلقه بوجود أمر نفى ذلك الأمر، لجواز أن يكون موجودا عازبا عن علمه. وحينئذ لا يكون تناقضا، ولو لم يكن حمله هذا هو الأصل لما سوغنا أن يرفع التناقض عن كلامه، لأنه أحقر من ذلك.

صفحة رقم 413

ولكنه مظنون بدليل قوله وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ، وإذا ظنّ موسى عليه السلام كاذبا في إثباته إلها غيره ولم يعلمه كاذبا، فقد ظنّ أن في الوجود إلها غيره، ولو لم يكن المخذول ظانا ظنا كاليقين، بل عالما بصحة قول موسى عليه السلام لقول موسى له لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ لما تكلف ذلك البنيان العظيم، ولما تعب في بنائه ما تعب، لعله يطلع بزعمه إلى إله موسى عليه السلام، وإن كان جاهلا مفرط الجهل به وبصفاته، حيث حسب أنه في مكان كما كان هو في مكان، وأنه يطلع إليه كما كان يطلع إليه إذا قعد في عليته، وأنه ملك السماء كما أنه ملك الأرض. ولا ترى بينة أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته وجهل ملئه وغباوتهم: من أنهم راموا نيل أسباب السماوات بصرح يبنونه، وليت شعري، أكان يلبس على أهل بلاده ويضحك سن عقولهم، حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن وأشبههم بالبهائم بذلك؟ أم كان في نفسه بتلك الصفة؟ وإن صحّ ما حكى من رجوع النشابة إليه ملطوخة بالدم، فنهكم به بالفعل، كما جاء التهكم بالقول في غير موضع من كتاب الله بنظرائه من الكفرة. ويجوز أن يفسر الظن على القول الأوّل باليقين، كقوله:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجّج «١»
ويكون بناء الصرح مناقضة لما ادعاه من العلم واليقين، وقد خفيت على قومه لغباوتهم وبلههم.
أو لم تخف عليهم، ولكن كلا كان يخاف على نفسه سوطه وسيفه، وإنما قال فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ

(١).
وكل تباريح المحب لقيتها سوى أنثى لم ألق حتفي بمرصدى
نصحت لعارض وأصحاب عارض ورهط بنى السوداء والقوم شهدى
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارس المسرد
لدريد بن الصمة، ينذر قومه بهجوم العدو. ودريد: هو معاوية بن الحرث بن بكر بن علقمة الجثمى: قتل مشركا يوم حنين، أى: كل الشدائد التي يلقاها المحب من محبوبه لقيتها. والحتف: الهلاك. والمرصد، والمرصاد:
الطريق، وفي إضافته لنفسه معنى لطيف، أى: لم أسلك طريقا فيه حتف لي، بل أسلك غيره فطر بقي لا ضرر فيه. ونصحه ونصح له: خلص وصفا. والشهد- بالتشديد: جمع شاهد. ودججه تدجيجا: غطاه تغطية. والدجة- بالتشديد-: الظلمة. والدج: المشي بتؤدة. والمدجج: التام السلاح. وقيل: هو بالفتح: الفرس، وبالكسر:
الفارس. والسراة: السادة الأشراف بفتح السين، وهي في الأصل: أعلى ظهر الحيوان، فاستعيرت لهم، وقد تضم، فوزنها «فعلة» جمع سرى وزن فعيل على غير قياس، إذ قياسه أفعلاء، وهو في الأصل: النهر الصغير:
استعير للخير الرئيس، والفارس: الدروع المعمولة بفارس. والسرد والتسريد: متابعة النسج، يقول: أيقنوا بهجوم جيش عظيم. والألفان: كناية عن الكثرة، أى: جيش كثير مغطى بالسلاح، أشرافه في الدروع الفارسية المتتابعة النسج. والظرفية دالة على سبوغ الدروع لهم. ويروى المسود بالواو وليس بذاك.

صفحة رقم 414

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية