ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري كأنه أحس بنفاذ دعوة الرسولين الكريمين إلى القلوب، وأن الإيمان بإله واحد له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، هذا الإيمان يلمس الفطرة الإنسانية وتسكن إليه الجوانح، فسارع اللعين يذكر بفتونه وجنونه، ولكن في اضطراب من القول، فبينما كان يقول لهم ما حكاه القرآن عنه :).. أنا ربكم الأعلى( (١) عاد يقول :).. ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد( (٢)(.. يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين. فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين( (٣)، فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين فأعد ياهامان لبنات ثم أوقد عليها لتصبح آجرا- والطوب اللبن يصنع من الطين، فإذا أحرق واحمر لونه صار آجرّا- ثم ابن بهذا الطين المحترق- الآجر- بناء عاليا ظاهرا متضحا- من صرح الشيء إذ ظهر- لأصعد عليه لعلي أرى الإله الذي يذكر موسى أنه إلهه وإله العالمين، وذلك ما جاء بيانه في آيات أخرى كريمة :)وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فأطلع إلى موسى وإني لأظنه كاذبا... )(٤) ؛ يعني أنه سيحاول الصعود والإطلاع ليس ليقينه في وجود إله العالمين، ولا لتصديقه دعوة موسى وهارون، [ والظاهر أنه أراد حقيقة ما يدل عليه كلامه وهو نفي علمه بإله غيره دون وجوده، فإن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه، ولم يجزم بالعدم بأن يقول : ليس لكم إله غيري، مع أن كلا من هذا وما قاله كذب، لأن ظاهر قول موسى عليه السلام له :).. لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر.. ( (٥) يقتضي أنه كان عالما بأن إلههم غيره... فكأنه قال : ما علمت في الأزمنة الماضية لكم إلها غيري كما يقول موسى، والأمر محتمل وسأحقق لكم ذلك... والأمر بجعل الصرح وبنائه لا يدل على أنه بني، وقد اختلف في ذلك، فقيل : بناه... وقيل لم يبن، وعلى هذا يكون قوله ذلك وأمره للتلبيس على قومه وإيهامه إياهم أنه بصدد تحقيق الأمر... وأيا ما كان فالقوم كانوا في غاية الغباوة والجهل وإفراط العماية والبلادة، وإلا لما نفق عليهم مثل هذا الهذيان... ولا يبعد أن يقال : كان فيهم من ذوي العقول من يعلم تمويهه وتلبيسه، ويعتقد هذيانه فيما يقول، إلا أنه نظم نفسه في سلك الجهال، ولم يظهر خلافا لما عليه اللعين بحال من الأحوال، وذلك إما للرغبة فيما لديه، أو للرهبة من سطوته واعتدائه عليه، وكم رأينا عاقلا، وعالما فاضلا، يوافق لذلك الظلمة الجبابرة، ويصدقهم فيما يقولون وإن كان مستحيلا أو كفرا بالآخرة ](٦).

١ سورة النازعات. من الآية ٢٤..
٢ سورة غافر. من الآية ٢٩..
٣ سورة الزخرف. من الآية ٥١ والآيتان ٥٢، ٥٣..
٤ سورة غافر. الآية ٣٦، ومن الآية ٣٧..
٥ سورة الإسراء. من الآية ١٠٢..
٦ ما بين العلامتين[ ] مقتبس من روح المعاني..

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير