قوله : وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً وجه الاستدراك أن المعنى : وَمَا كُنْتَ شَاهِداً لموسى وما جرى عليه ولكِنَّا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على(١) المسبب على عادة(٢) الله في اختصاراته، فإن هذا الاستدراك هو شبيه(٣) بالاستدراكين بعده، قاله الزمخشري(٤)، وهذا تنبيه على المعجز(٥)، كأنه(٦) قال : إن في إخبارك بهذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله دلالةً ظاهرةً على نبوتك كقوله : أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى (٧) [ طه : ١٣٣ ].
قوله : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً أي : مقيماً، يقال : ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً وثُوِياً، فهو(٨) ثاوٍ ومثويّ، قال ذو الرمة.
٤٠٠٧ - لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه *** تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأْمُ سائِمُ(٩)
وقال :
٤٠٠٨ - طَالَ الثَّوَاءُ عَلَى رَسُولِ المَنْزِلِ(١٠) ***. . .
وقال العجاج :
٤٠٠٩ - وَبَاتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ(١١) ***. . .
يعني الضيف المقيم.
قوله :«تَتْلُوا » يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «ثَاوِياً »، وأن يكون خبراً ثانياً(١٢)، وأن يكون هو الخبر، و «ثَاوِياً » حال(١٣) وجعله الفراء منقطعاً مما قبله(١٤). أي : مستأنفاً(١٥) كأنَّه قيل : وها أنت تتلو على أمَّتك، وفيه بعد.
فصل :
المعنى : وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً خلقنا أمماً من بعد موسى فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر أي : طالت عليهم المهلة، فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عهوداً في محمد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلقت القرون من بعد القرون نسوا(١٦) تلك العهود وتركوا الوفاء بها، «وَمَا كُنْتَ » مقيماً في أَهْلِ مَدْيَنَ كمقام موسى وشعيب فيهم تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا تذكرهم بالوعد والوعيد(١٧).
قال(١٨) مقاتل : يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على(١٩) أهل مكة خبرهم(٢٠) وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ في كل زمان رسولاً(٢١) يعني : أرسلناك رسولاً، وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار فتتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها، ولم تخبرهم بها(٢٢)،
٢ في ب: إعادة..
٣ في ب: يشبه..
٤ الكشاف ٣/١٧١..
٥ في ب: العجز. وهو تحريف..
٦ في ب: فإنه. وهو تحريف..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٥٧..
٨ فهو: سقط من ب..
٩ البيت من بحر الطويل، وهو للأعشى، لا كما نسبه ابن عادل على ذي الرمة. وقد تقدم..
١٠ صدر بيت من بحر الكامل، قاله عنترة بن شداد العبسي في هجاء قيس بن زيد، وعجزه:
بين اللكيك وبين ذات الحوامل
وهو في ديوانه (٥٦). والشاهد فيه قوله: (الثواء) فإنه مصدر بمعنى الإقامة من الفعل ثوى..
١١ من الرجز قاله العجاج، وهو في ديوانه (٣٢٥)، مجاز القرآن ٢/١٠٧، القرطبي ١٣/٢٩١ البحر المحيط ٧/١٠٣. الثوى: بيت في جوف بيت يقيم فيه الضيف فهو مكان إقامة. وهو موطن الشاهد..
١٢ ذكر هذين الوجهين أبو البقاء. انظر التبيان ٢/١٠٢٢..
١٣ حكاه أبو حيان. البحر المحيط ٧/١٢..
١٤ مما قبله: سقط من ب..
١٥ قال الفراء: (أي: إنك تتلو على أهل مكة قصص مدين وموسى، ولم تكن هناك ثاوياً مقيماً فتراه وتسمعه) معاني القرآن ٢/٣١٣..
١٦ في ب: ونسوا..
١٧ انظر البغوي ٦/٣٤٦..
١٨ في ب: وقال..
١٩ في ب: علماً..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٦/٣٤٦، الفخر الرازي ٢٤/٢٥٧..
٢١ رسولاً: سقط من ب..
٢٢ انظر البغوي ٦/٣٤٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود