تفسير المفردات : فتطاول عليهم العمر : أي بعد الأمد، ونحوه فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ( الحديد : ١٦ ) ثاويا : أي مقيما. قال العجاج :
فبات حيث يدخل الثّويّ
أي الضيف المقيم، أهل مدين : أي قوم شعيب عليه السلام.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه فيما سلف أنه أرسل موسى من بعد أن أهلك القرون الأولى، ودرست الشرائع، واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى ما فيه صلاحهم في معاشهم ومعادهم أردف ذلك بيان الحاجة إلى إرسال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لمثل تلك الدواعي التي دعت إلى إرسال موسى عليه السلام، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولأن رحمته اقتضت ألا يعذب أحدا إلا إذا أرسل رسولا، ويتضمن ذلك كون القرآن وحيا من عند الله، لأن ما فصل فيه من الأحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها، وقد انتفى كلاهما فتبين أنه بوحي من علام الغيوب.
الإيضاح : ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر أي ولكنا أنشأنا من عهد موسى إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول عليهم العمر إلى أن وجد القرن الذي أنت فيه فدرست العلوم فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء، وأحوال موسى، وأرسلناك بما فيه سعادة البشر.
والخلاصة : إنك ما كنت شاهدا موسى وما جرى ولكنا أوحيناه لك، وفي هذا تنبيه إلى المعجزة كأنه قال : إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله - لدلالة ظاهرة على نبوتك.
ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك فقال :
وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا أي وما كنت مقيما بين أهل مدين تتلقف القصة ممن شاهدها، وتقرؤها عليهم بطريق التعلم منهم كما يقرأ المتعلم على معلمه، فتفهّم أخبار موسى بهذا الطريق ونحوه.
ولكنا كنا مرسلين لك موحين إليك تلك الآيات ونظائرها، ولولا ذلك ما علمتها وما أخبرتهم بها.
تفسير المراغي
المراغي