ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

ثم يقول الحق سبحانه(١) : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين٥٦
هذا الخطاب لسيدنا رسول الله خاص بدعوته لعمه أبي طالب الذي ظل على دين قومه ؛ ولكنه كان يحمي رسول الله حماية عصبية قربى وأهل ؛ لا محبة في الإسلام. ولله تعالى حكمة في أن يظل أبو طالب على الكفر ؛ لأنه بذلك كسب قريشا ونال احترامهم ؛ حيث أعجبهم عدم إيمانه بمحمد وعدم مجاملته له، وأعجبهم أن يظل على دين الآباء، فاحترموا حمايته لابن أخيه. وهذا منع عن رسول الله إيذاءهم، وحمى الدعوة من كثير من الاعتداءات عليه. لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يرد له هذا الجميل. ورد رسول الله للجميل لا يكون بعرض من الدنيا ؛ إنما بشيء باق خالد. فلما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ( يا عم ؛ قل لا إله إلا الله ؛ كلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة ) ). فقال : يا ابن أخي ؛ لولا أن قريشا تعيرني بهذه الواقعة، ويقولون ما آمن إلا جزعا من الموت لأقررت عينك بها(٢).
لكن يروى أنه بعدما انتقل أبو طالب جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : يا محمد ؛ إن الكلمة التي طلبت من عمك أن يقولها قالها قبل أن يموت ؛ وأنا أشهد بها.
ونلاحظ هنا دقة الأداء من العباس، حيث لم يقل : إن هذه الكلمة لا إله إلا الله، بل سماها ( الكلمة ) لماذا ؟ لأنه لم يكن قد أسلم بعد.
وسبق أن تكلمنا في معنى الهداية إنك لا تهدي من أحببت.. ٥٦ [ القصص ] وقلنا : إنها تأتي بأحد معنيين : بمعنى الإرشاد والدلالة، وبمعنى المعونة لمن يؤمن بالدلالة ؛ ومن ذلك قوله تعالى : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم١٧ [ محمد ] أي : سمعوا الدلالة وأطاعوها فزادهم الله هداية أخرى ؛ هي هداية الإيمان والمعونة.
يقول تعالى في هذه المسألة : وأما ثمود فهديناهم١٧ [ فصلت ] يعني : دللناهم فاستحبوا العمى على الهدى١٧ [ فصلت ] ؛ لذلك حرموا هداية المعونة.
إذن : الهداية المنفية عن سيدنا رسول الله إنك لا تهدي من أحببت.. ٥٦ [ القصص ] هي هداية المعونة والتوفيق للإيمان ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هدى الجميع هداية الدلالة والإرشاد ؛ وكان مما قال : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم١٠ [ الصف ]. فهداية الدلالة صدرت أولا عن الله تعالى، ثم بالبلاغ من رسوله صلى الله عليه وسلم ثانيا.

١ سبب نزول الآية: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب. ذكره الواحدى في أسباب النزول (ص ١٩٤).
وقاله ابن عباس (أخرجه ابن مردويه)، وابن عمر (أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود في القدر)، وقتادة (أخرجه عبد بن حميد) أورد كل هذه الأقوال السيوطي في الدر المنثور (٦/٤٢٩)..

٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥) كتاب الإيمان، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/٣٤٤)، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص١٩٤ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير