وهو الله المستأثر بالألوهية المختص بها، لا إله إلا هو ، تقرير له، كقولك : الكعبة قبلة، لا قبلةَ إلا هي. له الحمد في الأولى أي : في الدنيا، والآخرة ؛ لأنه المُولي للنعم كلها، عاجلها وآجلها، يحمده المؤمنون في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة بقولهم :
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : ٣٤ ]، الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ [ الزمر : ٧٤ ]، وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الزمر : ٧٥ ]، والتحميد تم على وجه التلذذ لا الكلفة. وله الحُكم ؛ القضاء بين عباده، وإليه تُرجعون بالبعث والنشور. وبالله التوفيق.
والتدبير المذموم : هو ما فيه للنفس حظ، كتدبير أسباب الدنيا، وما تحصل بها من شهواتها، إذا صحبه عزم أو تكرير، وأمَّا ما كان فيما يقرب إلى الله تعالى فهو النية الصالحة، أو لم يصحب تصميم ؛ بأن كان عَزْمه محلولاً، أو علقة بمشيئة الله، أو كان خاطراً غير ساكن، فلا بأس به. قال القشيري - بعد كلام في وجه اختصاص التدبير بالحق تعالى : لأنه لو لم تنفذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العِزِّ ؛ لأن من نفى عن مراده لا يكون إلا ذليلاً، والاختيارُ للحق نعتُ عز، والاختيار للخلق صِفةُ نقصٍ، ونعتُ ملام وقصور، فاختيارُ العَبْدُ على غيرُ مُبَارَكٍ له، لأنه صفة غيرُ مستحِقٍّ لها، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح، قال قائلهم :
والطينةُ إذا ادَّعَت صفة للحقِّ أظهرت رعونتها، فما للمختار والاختيار ؟ ! وما للمملوكِ والمِلْك ؟ ! وما للعبيد في دَسْتِ الملوك ؟ ! قال تعالى : ما كان لهم الخيرة . هـ. وقال آخر في هذا المعنى :ومعَانٍ إذا ادّعاها سواهم لَزِمَتْه جِنَايةُ السُّرَّاقِ
فإذا علمت، أيها العبد، أن الحق تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، لم يبق لك مع الله اختيار، فالحالة التي أقامك فيها هي التي تليق بك، ولذلك قيل : العارف لا يعارض ما حلّ به، فقراً كان أو غنى. قال اللجائي في كتاب قطب العارفين : الراضي شبه ميت، لا نفس له، يختار لها، فالفقر والغنى حكمان من حكيم واحد، وهو أعلم سبحانه بعبيده، وما يصلحون به، فمنهم من يصلح للفقر ولا يصلح للغنى، ومنهم من يصلح للغنى ولا يصلح للفقر، ومنهم من يصلح بالمنع ولا يصلح بالعطاء، ومنهم من يصلح بالعطاء ولا يصلح بالمنع، ومنهم من يصلح بالبلاء ولا يصلح بالصحة، ومنهم من يصلح بالصحة ولا يصلح بالبلاء، ومنهم من يصلح بالوجهين جميعاً، وهو أعلى رُتبة يشار إليها في غاية هذا الشأن، وربك يخلق ما يشاء ويختار... الآية، ففي هذه الآية كفاية وتعزية لكل سالك راض عن الله تعالى، لكن لا يعقْلُها ولا يتلذذ بها إلا مشايخ العارفين. هـ. وبالله التوفيق.
والخيرُ أجمعُ : فيما اختار خالقنا *** وفي اختيارِ سواه : اللومُ والشُّومُالعبدُ ذو ضَجَرٍ، والربُّ ذو قُدَرٍ والدهرُ ذو دُوَلٍ، والرزقُ مقسومُ
الإشارة : في الآية تحضيض على ترك التدبير والاختيار، مع تدبير الواحد القهار، وهو أصل كبير عند أهل التصوف، أفرد بالتأليف، وفي الحِكَم :" أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك ؛ لا تقم به أنت عن نفسك ". وقال سهل رضي الله عنه : ذروا التدبير والاختيار، فإنهما يكدران على الناس عيشهم. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : ذروا التدبير، وإن كان ولا بد من التدبير، فدبروا ألا تدبروا. هـ.
والتدبير المذموم : هو ما فيه للنفس حظ، كتدبير أسباب الدنيا، وما تحصل بها من شهواتها، إذا صحبه عزم أو تكرير، وأمَّا ما كان فيما يقرب إلى الله تعالى فهو النية الصالحة، أو لم يصحب تصميم ؛ بأن كان عَزْمه محلولاً، أو علقة بمشيئة الله، أو كان خاطراً غير ساكن، فلا بأس به. قال القشيري - بعد كلام في وجه اختصاص التدبير بالحق تعالى : لأنه لو لم تنفذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العِزِّ ؛ لأن من نفى عن مراده لا يكون إلا ذليلاً، والاختيارُ للحق نعتُ عز، والاختيار للخلق صِفةُ نقصٍ، ونعتُ ملام وقصور، فاختيارُ العَبْدُ على غيرُ مُبَارَكٍ له، لأنه صفة غيرُ مستحِقٍّ لها، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح، قال قائلهم :
| ومعَانٍ إذا ادّعاها سواهم | لَزِمَتْه جِنَايةُ السُّرَّاقِ |
| العبدُ ذو ضَجَرٍ، والربُّ ذو قُدَرٍ | والدهرُ ذو دُوَلٍ، والرزقُ مقسومُ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي