وعملوا الصالحات بأداء الفرائض والإكثار من النوافل، لكانوا بالتأكيد من جانب الله من الفائزين بالسعادة، فإن «عسى» من الله واجبة، ومن جانبهم على طريق الأمل والرجاء وتوقع النجاة والفوز.
وفي هذا ترغيب في التوبة والتخلص من ظلمة الكفر، وضلال الشرك، وإعمال الفكر في طريق العودة إلى الله إيمانا بوجوده ووحدانيته، وتصديقا بالكتب والرسل والبعث، ومبادرة إلى القيام بالتكاليف الإلهية.
صاحب الحق المطلق في الاختيار المستحق للحمد والعبادة
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)
الإعراب:
ما يَشاءُ وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ: ما الأولى: اسم موصول بمعنى الذي، في موضع نصب مفعول به ل يَخْلُقُ. وما الثانية: نافية لا موضع لها من الإعراب.
البلاغة:
تُكِنُّ ويُعْلِنُونَ الْأُولى وَالْآخِرَةِ بين كل طباق.
المفردات اللغوية:
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ فيه إثبات حرية الخلق والاختيار لله عز وجل، دون موجب عليه ولا مانع له. ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فيه نفي الاختيار عن المشركين وغيرهم، والخيرة:
هي الاختيار باصطفاء بعض الأشياء وترك بعض سُبْحانَ اللَّهِ تنزيها لله أن ينازعه أحد في اختياره. تَعالى تعاظم وتقدس عن إشراكهم. تُكِنُّ صُدُورُهُمْ تخفي أو تسرّ قلوبهم من
الكفر وعداوة الرسول صلّى الله عليه وسلم والحقد عليه وغير ذلك. وَما يُعْلِنُونَ يظهرون بألسنتهم من الطعن في الرسول صلّى الله عليه وسلم وغيره. وَهُوَ اللَّهُ المستحق للعبادة. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا أحد يستحقها إلا هو. فِي الْأُولى الدنيا. وَالْآخِرَةِ الجنة. لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ في كل شيء دون مشاركة أحد. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالنشور.
المناسبة:
بعد توبيخ المشركين على اتخاذ الشركاء ودعوتهم للشفاعة والنصرة، أبان الله تعالى أنه هو صاحب الاختيار المطلق في تعيين الشفعاء، لا المشركون، وكذا في اصطفاء بعض المخلوقات للرسالة والنبوة وتمييزهم عن غيرهم، فكان اختيار المشركين جهلا وغباء وضلالا. وسبب كون الاختيار لله: أنه العالم بالخفايا والظواهر، وأنه لإنعامه المستحق للعبادة، فلا يستحقها إلا هو، وأنه صاحب القضاء النافذ في كل شيء، وأن إليه المرجع والمآب للسؤال والحساب.
التفسير والبيان:
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي أنه تعالى يخبر أنه المنفرد بالخلق والاختيار دون منازع ولا معقب، والمعنى: ربك يا محمد وكل سامع صاحب الحق المطلق في خلق ما يشاء، واختيار ما يريد، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، يختار أقواما لأداء الرسالة، ويصطفي من الملائكة والناس رسلا لأداء المهمة، ويمنح الحق في الشفاعة لمن يريد، يميز بعض مخلوقاته على بعض.
وليس للمشركين ولا لغيرهم أن يختاروا شيئا، فيقولوا مثلا: نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف ٤٣/ ٣١] أي إما على الوليد بن المغيرة أو على عروة بن مسعود الثقفي شيخ الطائف. فقوله تعالى ما كانَ:
ما نافية على الصحيح كما نقل عن ابن عباس وغيره، ولأن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا نزّه تعالى نفسه في منازعة أحد في سلطانه، فقال: سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزيها لله وتقديسا وتعاليا عن إشراك المشركين، وعن أن ينازعه أحد في اختياره وخلقه من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئا.
والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إلى الله تعالى، ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم بيّن الله تعالى كون اختياره مبنيا على علم ثابت صحيح فقال:
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ أي وربك أيها العبد المخلوق يعلم ما تخفيه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم وسرائرهم من الكيد لرسول الله صلّى الله عليه وسلم وعداوته، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، كما قال:
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [الرعد ١٣/ ١٠].
وهذا العلم الشامل المطلق صادر ممن له خصائص الألوهية وكونه الإله الفرد الصمد، فقال:
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي هو المنفرد بالألوهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار غيره، فهو العليم بكل شيء القادر على كل شيء.
وفيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات، عالما بكل المعلومات، منزها عن النقائص والآفات، لذا كان هو المستحق للحمد والشكر كما قال:
لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي إنه تعالى وحده المستحق للحمد والشكر، والعبادة، المحمود في جميع ما يفعله في الدنيا والآخرة لأنه بعدله وحكمته يمنح النعم ويفيض الخير على مخلوقاته.
وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي وهو تعالى له القضاء النافذ في كل شيء، فلا معقّب لحكمه، وهو القاهر فوق عباده، الرحيم اللطيف الخبير، وإليه ترجع جميع الخلائق يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير أو شر، ولا يخفى عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء.
وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة، ونهاية تقوية القلب للمطيعين، فلا يخل بميزان العدل، يجازي المحسنين على طاعتهم، ويعاقب العصاة على عصيانهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- الاختيار إلى الله تعالى في الشفعاء، لا إلى المشركين.
٢- الخلق أو الاختيار لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، كما قال: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب ٣٣/ ٣٦].
روى الترمذي عن أبي بكر رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال: اللهم خر لي واختر لي»
وروى ابن السني مرفوعا عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال له: «يا أنس، إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى ما يسبق قلبك، فإن الخير فيه».
ومن هنا شرعت صلاة الاستخارة، بأن يتوضأ ويصلي ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (الكافرون) وفي الثانية (الإخلاص).
روى البخاري في صحيحة عن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها، كما يعلّمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين غير الفريضة، ثم ليقل:
اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» قال: ويسمي حاجته.
قال العلماء: وينبغي له أن يفرّغ قلبه من جميع الخواطر، حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله، فإن وجد انشراحا وسرورا وارتياحا فالأمر خير، وإن وجد انقباضا وضيقا، فالأمر شر.
٣- إن اختيار الملائكة والرسل لأداء الرسالة إلى الله، فهو يصطفي منهم ما يشاء على وفق الحكمة والمصلحة والعلم الشامل، وليس ذلك لأحد من الناس، كما تبادر إلى بعض المشركين أن تكون الرسالة لأحد زعيمين قويين في المال والأولاد والسلطة والنفوذ: إما الوليد بن المغيرة، وإما عروة بن مسعود، كما تقدم بيانه.
٤- تقدس وتمجد الله عن إشراك المشركين.
٥- الله تعالى عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شيء.
٦- الله جل جلاله هو المنفرد بالألوهية والوحدانية، وجميع المحامد له، ولا حكم إلا إليه، وإليه المرجع والمصير.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي