٩٧٥- فيه من الأسئلة : الضمير في " يلقاها " على أي شيء يعود ؟ وما وجه اختصاص الصابرين بهذا الحكم ؟ وما المستثنى منه ؟
والجواب : اختلف المفسرون في هذا الضمير، فقيل : عائد على معلوم لا مذكور، وهو الطريقة الحسنة المعلومة في الشرائع، كما قال تعالى : حتى توارت بالحجاب ١ ولم يتقدم للشمس ذكر.
و كل من عليها فان ٢ ولم يتقدم للأرض ذكر، لكنها معلومة من السياق والعادة. وكذلك قوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر ٣ ولم يتقدم للقرآن ذكر. وكذلك هاهنا الطريقة الحسنة، ولم يتقدم لها ذكر.
وقيل : " الضمير عائد على الكلمة المتقدمة، وهي قوله تعالى حكاية عن المؤمنين فيما قالوه لشيعة قارون : ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ٤ ثم قالوا : ولا يلقاها إلا الصابرون ( باقي الآية السابقة ). أي : " ما يلقى هذه الكلمة "، أي : " ما يمكن منها وتوهب له وتستقر عنده إلا الصابرون ". فهذا هو المراد بالتلقي، عبر به عن التيسير والتهيئة لهذه الكلمة، لأنك إذا لقيت الشيء لمن يأخذه فقد يسرت له أخذه وسهلته عليه. فهو من مجاز الملازمة. وعبر عن جملة هذا الكلام بضمير الكلمة، وإن كانت كلمات، من باب التعبير بالجزء عن الكل، كما قال صلى الله عليه وسلم : " خير ما قالته العرب كلمة لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل***... " ٥.
فسمى بيت الشعر بجملته كلمة، وهو كلمات.
وأما وجه اختصاص الصابرين بذلك، فهو بناء على قاعدة وهي : أن الله تعالى يثيب على الحسنة بثلاثة أشياء، ويعاقب على السيئة بثلاثة أشياء : فيثيب بالملاذ كنعيم الجنة، وتيسير الطاعة مرة أخرى حتى يجتمع للمحسن ثوابان، وبإبعاد أسباب المعصية عنه حتى يسلم. ويعاقب بالمؤلمات، كعذاب النار، وتفويت الطاعة ليفوت ثوابها، وتيسير المعصية، فيجتمع عليه عقوبتان. ودليل ذلك قوله تعالى : فأما من أعطى واتقى ( ٥ ) وصدق بالحسنى ( ٦ ) فسنيسره لليسرى ( ٧ ) وأما من بخل واستغنى ( ٨ ) وكذب بالحسنى ( ٩ ) فسنيسره للعسرى ( ١٠ ) ٦. وقوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ٧. وقوله تعالى : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى إلى قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله... ٨. فجعل الردة مسببة عن القول الحرام. كذلك يثيب الله الصابرين بتيسير الحق عليهم على هذا الاعتقاد المذكور. وذلك لأن الصبر من أحسن الأعمال الجميلة، وهو شاق على النفوس جدا، فجعل هذا ثوابا لهم وخاصا بهم، والله تعالى يخصص بعض القربات ببعض المثوبات.
وأما المستثنى والمستثنى منه فهو مفعول ما لم يسم فاعله، وتقديره : " ولا يلقاها أحد إلا الصابرون ". فالمستثنى والمستثنى منه مفعول ما لم يسم فاعله. ( الاستغناء : ٢٣١ إلى ٢٣٣ ).
٢ - سورة الرحمن: ٢٦..
٣ - سورة القدر: ١..
٤ - سورة القصص: ٨٠..
٥ - خرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب. ح: ٣٥٥٣. ومسلم في صحيحه، كتاب الشعر. ح: ٣١٨٦- ٣١٨٧. والترمذي في سننه، كتاب الأدب، ح: ٢٧٧٦. وابن ماجة في سننه، كتاب الأدب: ٣٧٤٧. بألفاظ تكاد تكون متقاربة..
٦ - سورة الليل: ٥ إلى ١٠..
٧ - سورة العنكبوت: ٦٩..
٨ - سورة محمد: ٢٦..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي