فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة أي أعوان يفيء إليهم الرجل عند المصيبة الفاء للتعليل ينصرونه فيدفعون عنه عذاب الله من دون الله وما كان من المنتصرين أي الممتنعين مما نزل به من الخسف يقال نصره من عدوه فانتصر إذا منعه فامتنع عطف على فما كان قال أهل العلم بالأخبار كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم وكان حسن الصوت فبغى وطغى وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله أوحى إلى موسى أن يأمر قومه يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطا أخضر كلون السماء يذكرون به السماء إذا نظروا إليها ويعلمون أنه منزل منها كلامي فقال موسى يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم خضرا كلها فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط فقال له ربه يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير فدعاهم موسى وقال إن الله يأمركم أن تعلقوا على أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ففعلت بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى واستكبر قارون فلم يطعه وقال يفعل هذه الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم وهذا بدء عصيانه وبغيه فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة لهارون وهي رئاسة الذبح فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله فوجد قارون من ذلك في نفسه وأتى موسى فقال يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء من ذلك وأنا أقرأ للتوراة لا صبر لي على هذا فقال موسى ما أنا جعلتها في هارون بل الله جعلها له فقال قارون والله لا أصدقك حتى تريني بيانه فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل فقال هاتوا عصيكم فخرجها وألقاها في القبة التي يعبد الله فيها فجعل يحرسون عصيهم حتى أصبحوا فأصبحت عصا هارون قد اعتراها ورق أخضر فقال قارون والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر واعتزل قارون موسى بأتباعه وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ومعاداة حتى بنى دارا وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه.
قال ابن عباس : فلما نزلت الزكاة على موسى أباه قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار وكل ألف درهم على درهم وعن كل ألف شاة على شاة وعن كل ألف شيء على شيء ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا فلم يسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل فقال لهم يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعمتموه وهو الآن يريد أن يأ خذ أموالكم قالوا أنت كبيرنا فأمرنا بما شئت فقال آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلا حتى تقذف موسى بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج بنو إسرائيل فرفضوه فدعوها فجعل لها قارون ألف درهم وقيل ألف دينا وقيل طستا من ذهب وقيل قال أمولك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم أتى موسى فقال إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض فقام فيهم فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة ومن زنى وله امرأة رجمناه حتى يموت فقال له قارون وإن كنت أنت ؟ قال وإن كنت أنا فقال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال ادعوها فإن قالت فهو كما قالت فلما أن جاءت قال لها موسى يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء ؟ وعظم عليها وسأل بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت فتداركها الله تعالى فقالت في نفسها أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول الله فقالت لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذ فك بنفسي فخر موسى ساجدا يبكي ويقول اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله إلى موسى إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن معه فليلبث ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا فلم يبق مع قارون إلا رجلان ثم قال موسى يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم وفي رواية كان سريره وفرشه فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه في كل ذلك يتضرعون يناشده قارون الله تعالى والرحم حتى أنه ناشده سبعين مرة وموسى في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه ثم قال يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض. وأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك له إستغاث بك سبعين مرة فلم تغثه أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته وفي بعض الآثار قال لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد قال قتادة خسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة وأصبحت بنو إسرائيل يتناقلون فيما بينهم أن موسى إنما دعا على قارون ليستبد بداره وبكنوزه وبأمواله فدعا الله موسى حتى خسف بداره وبكنوزه وأمواله الأرض فذلك قوله تعالى : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ٨١
التفسير المظهري
المظهري