ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه بقضية عامة ليفصل في هذه المسألة :
{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في
الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين٨٣ }
لأنه لا يصح أن يعلو الإنسان على بني جنسه، ولا على بيئته إلا بشيء ذاتي فيه، فلا يصح أن يعلو بقوته ؛ لأنه قد يمرض، فيصير إلى الضعف، ولا بماله لأنه قد يسلب منه.
إذن : إياك أن تعلو على غيرك بشيء موهوب لك، إن أردت فبشيء ذاتي فيك، وليس فيك شيء ذاتي، فلست أفضل من أحد حتى تعلو عليه، كما أن الدنيا أغيار، وربما انتقل ما عندك إليهم، فهل يسرك إن صار غيرك غنيا أو قويا أن يتعالى عليك ؟
ثم أنت لا تستطيع العلو إلا بالاعتماد على قوة أعلى منك تسندك، وجرب بنفسك وحاول أن تقفز إلى أعلى كلاعب السيرك، ثم أمسك نفسك في هذا العلو، وطبعا لن تستطيع، لماذا ؟ لأنه لا ذاتية لك في العلو.
وما دام الأمر كذلك، فإياك أن تعلو ؛ لأنك بعلوك تحفظ الآخرين ؛ فإن حصل لك العكس شتموا فيك، وأيضا لأن الإنسان لا يعلو في بيئة ولا في مكان إلا إذا رأى كل من حوله دونه، حين ترى أن كل الناس دونك فأنت لم تتنبه إلى أسرار فضل الله في خلقه.
ولو تأملت لوجدت في كل منهم خصلة ليست عندك، ولو قدرت أن الناس جميعا عيال الله وخلقه، ليس منا من بينه وبين الله نسب أو قرابة ونحن جميعا عنده تعالى سواء، وقد وزع المواهب بيننا جميعا بالتساوي، وبالتالي لا يمتاز أحد على أحد، فلم التعالي إذن ؟ ولم الكبر ؟
وأيضا الذي يتعالى لا يتعالى إلا في غفلة منه عن ملاحظة كبرياء ربه، وإلا فالذي يستحضر عظمة ربه وكبرياءه لابد له أن يتواضع، وأن يتضاءل أمام كبريائه تعالى، وأن يستحي أن يتكبر على خلقه.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف نحترم الآخرين ؟ وكيف نتواضع لهم ؟ فلما دخل عليه الصحابي الجليل عدى بن حاتم(١) قام عن كرامة مجلسه له، يعني : إن كان جالسا على ( وسادة مثلا ) يقوم عنها، ويعطيها لصاحبه ليجلس هو عليها.
وهكذا يحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على المساواة في المجلس ؛ لذلك قال عدى بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أشهد أنك لا تريد علو في الأرض، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأسلم.
وعجيب ما نراه مثلا في مساجدنا، وهي بيوت الله وأولى الأماكن بهذه المساواة، فتراهم إذا دخل أحد أصحاب النفوذ يفرشون له مصلى ليصلي عليها، مع أن المسجد مفروش، على أعلى مستوى من النظافة، فلماذا هذا التمييز ؟
ومع ذلك نجد منهم من يزيح هذه المصلى جانبا، ويصلي كما يصلي بقية الناس، وأظن أن الذي يقبل أن توضع له هذه المصلى أظنه يبتغي علوا في الأرض.
والحق سبحانه يريد للإنسان أن يعيش سوى الحركة في أسوياء لتظل القلوب متآلفة، لا يداخلها ضغن، وإذا خلت القلوب من الضغن وسع الناس جميعا رغيف عيش واحد.
ثم يقول سبحانه : والعاقبة للمتقين٨٣ [ القصص ]أي : العاقبة الخيرة، والعاقبة الحسنة في النعيم المقيم الدائم للمتقين.

١ هو: ابن حاتم الطائي المشهور بالكرم. أسلم عدى في سنة تسع وقيل سنة عشر وكان نصرانيا قبل ذلك، وثبت على إسلامه عند ارتداد بعض العرب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، شهد فتوح العراق ثم سكن الكوفة وشهد صفين مع على ومات بعد الستين هجرية [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (ترجمة رقم ٥٤٦٧)]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير