ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

قوله تعالى : ولا تدع مع الله إلها آخر.. ٨٨ [ القصص ] كسابقتها ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مظنة أن يدعو مع الله إلها آخر لا إله إلا هو.. ٨٨ [ القصص ] أي : لا معبود بحق إلا هو.
ولو كان معه سبحانه وتعالى آلهة أخرى لواجهوه : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا٤٢ [ الإسراء ] أي : سعوا إليه لينازعوه الألوهية، أو ليتقربوا إليه.
كل شيء هالك إلا وجهه.. ٨٨ [ القصص ] الوجه في عرفنا ما به المواجهة في الإنسان، وكل شيء يصف به الحق سبحانه نفسه علينا أن نصفه سبحانه به، بناء على وصفه في إطار قوله سبحانه ليس كمثله شيء.. ١١ [ الشورى ]
فالحق سبحانه له وجه، لكن ليس ككل الوجوه، وهكذا في كل الصفات التي يشترك فيها الحق سبحانه مع الخلق، وأنت آمنت بوجود الله، وأن وجوده ذاتي، ليس كوجودك أنت.
وقوله : كل شيء.. ٨٨ [ القصص ] كلمة شيء يقولون : إنها جنس الأجناس يعني : أي موجود طرأ عليه الوجود يسمى ( شيء ) مهما كان تافها ضئيلا. وقد تكلم العلماء في : أيطلق على الله تعالى أنه شيء لأنه موجود ؟
قالوا : ننظر في أصل الكلمة ( شيء ) من يشاء شيئا، فالشيء شاءه غيره، فأوجده ؛ لذلك لا يقال لله تعالى شيء ؛ لأنه سبحانه ما شاءه أحد، بل هو سبحانه موجود بذاته.
وفي آية أخرى يقول تعالى في عمومية الشيء : وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. ٤٤ [ الإسراء ] يعني : كل ما يقال له شيء موجود سبق وجوده عدم، إلا يسبح بحمد الله، البعض قال : هو تسبيح دلالة على موجدها، وليس تسبيح مقالة حقيقية، لكن قوله سبحانه ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. ٤٤ [ الإسراء ] يدل على أنه تسبيح حقيقي، فكل شيء يسبح بلغته وبما يناسبه.
وقد أثبت الله تعالى منطقا للطير وتسبيحا للجبال، ولو فهمت لغة هذه الأشياء لأمكنك أن تعرف تسبيحها، لكن كيف نطمع في معرفة لغات الحجر والشجر، ونحن لا نفهم لغات بعضنا، فإذا لم تكن تعرف مثلا الإنجليزية، أتعرف ماذا يقول المتحدث بها لو سبح بها الله وهو بشر مثلك يتكلم بنفس طريقتك وبنفس الأصوات ؟
لذلك يقولون في معجزاته صلى الله عليه وسلم : سبح الحصى في يده، والصواب أن نقول : سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده، وإلا فالحصى يسبح في يد رسول الله، ويسبح في يد أبى جهل. ومن ذلك أيضا حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ألم يقل الحق سبحانه : وأوحى ربك إلى النحل.. ٦٨ [ النحل ]
ألم يقل عن الأرض : بأن ربك أوحى لها٥ [ الزلزلة ] ؟ ألم يثبت للنملة كلاما ؟ ألم يكلم الهدهد سليمان عليه السلام، وفهم منه سليمان ؟
إذن : لكل جنس من المخلوقات لغته التي يفهمها أفراده عن بعض كل قد علم صلاته وتسبيحه.. ٤١ [ النور ] وإن شاء الله أطلع بعض خلقه على هذه اللغات، وأفهمه إياها.
ومعنى هالك... ٨٨ ( القصص ) البعض يظن أن الهلاك خاص بما فيه روح كالإنسان والحيوان، لكن لو وقفنا عند قوله تعالى : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة... ٤٢ ( الأنفال )
إذن : فالهلاك يقابله الحياة، فكال شيء يهلك كانت له حياة تناسبه، وإن كنا لا نفهم إلا حياتنا نحن، والتي تذهب بخروج الروح.
ومعنى إلا وجهه... ٨٨ [ القصص ] أي : إلا ذاته تعالى، ولم يقل : إلا هو ؛ لأنه تعالى ليس شيئا، وللوجه هنا معنى آخر، كما نقول : فعلت ذلك ابتغاء وجه الله يعني : فعلت والله في بالي، فالمعنى : كل شيء هالك، إلا ما كان لوجه الله، فلا يهلك أبدا ؛ لأنه يبقى لك وتنال خيره في الدنيا وثوابه في الآخرة.
ثم يقول سبحانه : له الحكم وإليه ترجعون٨٨ [ القصص ] أي : له الحكم في الآخرة يوم يقول لمن الملك اليوم.. ١٦ [ غافر ] لكن لماذا خص الملك يوم القيامة، وهو سبحانه له الملك الدائم في الدنيا وفي الآخرة ؟ قالوا : لأن هناك ملكا في الدنيا، يملكه لخلقه، كما قال سبحانه في النمرود : أن آتاه الله الملك.. ٢٥٨ [ البقرة ] وقال سبحانه : تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء.. ٢٦ [ آل عمران ]
إذن : فالملك ملك الله، وهو سبحانه الذي يملك خلقه في الدنيا دنيا الأسباب، لكن في الآخرة تنزع الملكية من أي أحد إلا لله وحده. حتى إرادة الإنسان على جوارحه تسلب منه، فتشهد عليه بما كان منه في الدنيا.
وإن أردت أن تعرف الآن صدق هذه المسألة فانظر إلى الأمور القدرية التي تجري عليك، كالمرض وكالموت وغيرها، هل تستطيع أن تتأبى عليها ؟
ثم يقول سبحانه : وإليه ترجعون٨٨ [ القصص ] أي : للحساب في الآخرة ؛ لأن الله تعالى لم يخلقنا عبثا، ولن يتركنا هملا، بل لابد من الرجوع إليه ليحاسب كلا منكم على ما قدم، وما دمتم قد عرفتم ذلك، فعليكم أن تحترموا المرجع إلى الله، وتنظروا ماذا طلب منكم.
والمتتبع لهذا الفعل في القرآن يجد أنه جاء مرة مبنيا للمجهول ( ترجعون ) وهو للكافر الذي تأبى على الله، فنقول له : سترجع إلى الله، وتقذف في النار غضبا عنك، ورغما عن أنفك، فإن تأبيت على الله في الدنيا، فلن تتأبى عليه في الآخرة، ويأتي مبنيا للمعلوم ( ترجعون ) وهو للمؤمن الذي يشتاق لثواب الآخرة فيتهافت بنفسه ويقبل عليه.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير