ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء والخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء، قال الفراء(١) معناه : ولا من في السماء بمعجز ( أنْ عَصَى )(٢) كقول حَسَّانَ :

٤٠٢٨ - فَمَنْ يَهْجُو رسولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ويَمْدحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ(٣)
أراد : ومن يمدحه وينصره، فأضمر «مَن » يريد لا يعجز أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء يعني ( على )(٤) أن من في السموات عطف على «أنتم » بتقدير : أن يعصي، قال الفراء : وهو من غوامض العربية(٥). قال شهاب الدين : وهذا على أصله، حيث يجوز حذف الموصول الاسميّ، ويبقى صفته(٦).
قال قطرب(٧) : ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم(٨) فيها، كقول القائل :( لا ) يفوتني فلان هاهنا ولا في البصرة أي ولا بالبصرة لو كان بها كقوله تعالى إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض (٩)، أي على تقدير أن يكونوا فيها، وأبعد من ذلك من قدره موصولين(١٠) محذوفين ؛ أي )(١١) وما أنتم بمعجزين من في الأرض من الجن والإنس، ولا من في السماء من الملائكة فكيف تعجزون خالقها ( و ) على قول الجمهور يكون المفعول محذوفاً أي وما أنتم بمعجزين أي فائتين ما يريد(١٢) الله بكم.

فصل :


اعلم أن إعجاز المعذَّب عن التعذيب إما بالهرب منه، أو بالثبات ومدافعته فذكر الله تعالى القسمين فقال : وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ، يعني بالهرب لو صعدتم إلى السماء، أو هربتم إلى تُخُوم الأرض ( لم )(١٣) تخرجوا من قبضة قدرة الله - عزّ وجلّ -، فلا مطمع في الإعجاز بالهرب، وأما بالثبات فكذلك لأن الإعجاز بالثبات إما أن يكون بالاستناد(١٤) إلى ركن شديد يشفع، ولا يمكن المعذب مخالفته فيفوته المعذب، ويعجز عنه أو بالانتصار بقويّ يدافعه، وكلاهما محال فلهذا قال : وما لكم من دون الله من ولي يشفع ولا نصير يدفع. فإن قيل : ما الحكمة في قوله : وما أنتم بمعجزين ولم يقل :«ولا تعجزون » بصيغة الفعل ؟.
فالجواب : لأن نفي الفعل لا يدل على نفي الصلاحية فإن من قال : إن فلاناً لا يخيط لا يدل على ما يدل عليه أنه ليس بخائط، وقدم «الأرض » على «السماء »، و «الولي » على «النصير » ؛ لأن هربهم الممكن في الأرض، فإن كان يقع منهم هرب فإنه يكون في الأرض، ثم إن فرضنا لهم قدرة غير ذلك فيصعدون في السماء وأما الدفع فإن العاقل متى أمكنه الدفع فأجمل الطرق فيه الشفاعة(١٥)، لأن ما من أحد في الشاهد إلا ويكون له شفيع يتكلم في حقه عند ملك، وليس لكل أحد ناصر يعادي الملك فلذلك(١٦) قدم الأرض على السماء، والولي على النَّصِير(١٧).
١ انظر: معاني القرآن للفراء ٢/٣١٥..
٢ ما بين القوسين ساقط من كتاب الفراء نفسه ومثبت في كلتا النسختين وفي البحر والدر المصون، انظر البحر المحيط ٧/١٤٧، والدر المصون ٤/٣٠٠..
٣ البيت لحسان بن ثابت- رضي الله عنه- يرد به على الزِّبعري وغيره من شعراء قريش، وهو من تمام الوافر وشاهده في قوله: "ويمدحه" حيث حذف الموصول الاسمي من "يمدحه" وأبقى صلته على رأي الفراء والكوفيين. وبرواية: "أمن" وقد تقدم..
٤ زيادة من ب..
٥ انظر: معاني الفراء ٢/٣١٥..
٦ انظر الدر المصون ٤/٣٠٠..
٧ قطرب: محمد بن علي بن المستنير، أبو علي النحوي المعروف، لازم سيبويه، وكان يدلج الليل أخذ عن عيسى بن عمر، له من التصانيف المثلث، النوادر، الصفات، مات سنة ٢٠٦ هـ، انظر: بغية الوعاة ١/٢٤٢..
٨ انظر: تفسير القرطبي ١٣/٣٣٧..
٩ [الرحمن سبحانه وتعالى: ٣٣]..
١٠ انظر: البحر المحيط ٧/٤٧، والدر المصون ٤/٣٠١..
١١ زيادة يقتضيها السياق من ب..
١٢ في ب: مما يريد الله بكم..
١٣ زيادة يقتضيها السياق من ب..
١٤ في ب: بالإسناد..
١٥ في ب: فإن حمل الطرق فيه بالشفاعة..
١٦ في ب: فكذلك..
١٧ انظر: تفسير الفخر الرازي ٢٥/٤٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية