( معجزين ) : جمع معجز، وهو الذي يعجز غيره، تقول : أعجزت فلانا يعني : جعلته عاجزا، والمعنى أنكم لن تفلتوا من الله، ولن تتأبوا عليه، حين يريدكم للوقوف بين يديه، بل تأتون صاغرين.
ونلحظ هنا أن الحق سبحانه قال : وما أنتم بمعجزين.. ٢٢ [ العنكبوت ] ولم يقل مثلا : لن تعجزوني حين أطلبكم ؛ لأن نفي الفعل غير نفي الوصف، فحين تقول مثلا : أنت لا تخيط لي ثوبا، فهذا يعني أنه يستطيع أن يخيط لك ثوبا لكنه لا يريد، فالقدرة موجودة لكن ينقصها الرضا بمزاولة الفعل، إنما حين تقول : أنت لست بخائط فقد نفيت عنه أصل المسألة.
لذلك لم ينف عنهم الفعل حتى لا نتوهم إمكانية حدوثه منهم، فالهرب والافلات من لقاء الله في الآخرة أمر غير وارد على الذهن أصلا، إنما نفي عنهم الوصف من أساسه وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء.. ٢٢ [ العنكبوت ]
ثم يقول سبحانه : وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير٢٢ [ العنكبوت ] حتى لا يقول قائل : إن كانوا هم غير معجزين، فقد يكون ورلاءهم من يعجز الله، أو وراءهم من يشفع لهم، أو يدافع عنهم، فنفى هذه أيضا لأنه سبحانه لا يعجزه أحد، ولا يعجزه شيء.
لذلك خاطبهم بقوله : ما لكم لا تناصرون٢٥ [ الصافات ] أين الفتوات الأقوياء ينصرونكم ؟
فنفى عنهم الولي، ونفى عنهم النصير ؛ لأن هناك فرقا بينهما : الولي هو الذي يقرب منك بمودة وحب، وهذا يستطيع أن ينصرك لكن بالحسنى وبالسياسة، ويشفع لك إن احتجت إلى شفاعته، أما النصير فهو الذي ينصرك بالقوة و ( الفتونة ).
وهكذا نفى عنهم القدرة على الإعجاز، ونفى عنهم الولي والنصير، لكن ذكر من دون الله.. ٢٢ [ العنكبوت ] يعني : من الممكن أن يكون لهم ولي ونصير من الله تعالى، فإن أرادوا الولي الحق والنصير الحق فليؤمنوا بي، فأنا وليهم وأنا نصيرهم.
وكأنه سبحانه يقول لهم : إن تبتم ورجعتم عما كنتم فيه من الكفر واعتذرتم عما كان منكم، فأنا وليكم وأنا نصيركم.
وفي موضع آخر قال : وما لكم من ناصرين٢٥ [ العنكبوت ] ولم يقل من دون الله ؛ لأن الموقف في الآخرة، والآخرة لا توبة فيها ولا اعتذار ولا رجوع، فقوله من دون الله.. ٢٢ [ العنكبوت ] لا تكون إلا في الدنيا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي