ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

قوله :«إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ » في «ما » هذه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون موصولة١ بمعنى الذي، والعائد محذوف وهو المفعول الأول، و «أَوْثَانًا » مفعول ثان، والخبر «مَوَدَّةُ » في قراءة٢ من رفع كما سيأتي، والتقدير : إنَّ الذي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثَاناً مودةٌ أي ذو مودة أو جعل نفس المودة محذوف على قراءة من نصب٣ «مَوَدَّةً » أي الذي اتخذتموه أوثاناً لأجل المودة لا تنفعكم، أو يكون «عليكم » لدلالة قوله : ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ .
والثاني : أن تجعل «ما » كافة٤، و «أوثاناً » مفعول به، والاتخاذ هنا يتعدى لواحد أو لاثنين والثاني هو مِن دُونِ الله فمن رفع «مودة » كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة، أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة «لأوثاناً »٥، أو مستأنفة٦، ومن نصب كانت مفعولاً به٧، أو بإضمار «أعْنِي ».
الثالث : أن تجعل «ما » مصدرية، وحينئذ يجوز أن تقدر مضافاً من الأول أي أن سبب اتخاذكم أوثاناً من دون الله ( مودة٨ فيمن رفع مودة، ويجوز أن لا يقدر بل يجعل نفس الاتحاد )٩ هو المودة مبالغة١٠ ( و )١١ في قراءة من نصب يكون الخبر محذوفاً على ما مَرَّ في الوجْهِ الأوّل.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع «مَوَدَّةُ » غير منونة، وجر «بَيْنِكُمْ »١٢، ونافع١٣ وابن١٤ عامِرٍ وأبو بكر١٥ بنصب «مَوَدَّةً » ( منونة١٦ ونصب «بَيْنَكُمْ » وحمزة وحفص١٧ بنصب «مودةً » ) غير منونة وجر بَيْنِكُمْ، فالرفع قد تقدم، والنصب أيضاً تقدم فيه وجهان. ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولاً ثانياً على المبالغة والإضافة للاتساع في الظرف١٨ كقولهم :«يا سارقَ الليلةَ أهْل الدَّارِ » من صبه فعلى أصله١٩، ونقل عن عاصم٢٠ أنه رفع «مودة » غير منونة، ونصب بينكم وخرجت إضافة «مودة » للظرف، وإنما بني لإضافته إلي غير متمكن كقراءة : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ٢١ بالفتح إذا جعلنا ( بَيْنَكُمْ ) فاعلاً، وأما «في الحياة » ففيه أوجُهٌ :
أحدها : أنه هو وبينكم متعلقان «بمودة » إذا نونت جاز تعلقها بعامل واحد لاختلافهما٢٢.
الثاني : أن يتعلقا بمحذوف على أنهما صفتان٢٣ ل «المودة ».
الثالث : أن يتعلق «بَيْنِكُمْ » «بِمودّة » و «في الحياة » صفة لمودة، ولا يجوز العكس لئلا يلزم إعمال المصدر الموصوف٢٤، والفرق بينه وبين الأول أن الأول عمل فيه المصدر قبل أن يوصف، وهذا عمل فيه بعد أن وصف، على أن ابن عطية جوز ذلك هو وغيره٢٥، وكأنهم اتسعوا في الظرف، فهذا وجه رابع.
الخامس : أن يتعلق «في الحياة » بنفس «بينكم » لأنه بمعنى الفعل، ( إذ )٢٦ التقدير : اجتماعكم ووصلكم٢٧.
السادس : أن يكون حالاً من نفس «دينكم »٢٨.
السابع : أن يكون «بيْنكم » صفة المودة٢٩ و «في الحياة »، حال من الضمير المستكن فيه.
الثامن : أن يتعلق «في الحياة » «باتخذتم »٣٠ على أن يكون «ما » كافة و «مودة » منصوبة، قال أبو البقاء : لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة ( بالخبر )٣١.
قوله٣٢ :«وقال » يعني إبراهيم إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم ، فعلى قراءة رفع «مودة » وخفض «بينكم » بالإضافة يكون المعنى : اتخذتم من دون الله أوثاناً وهي مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، ومن خفض «مودة » من غير تنوين على الإضافة لوقوع الاتخاذ عليها، ومن نصب «مودة » ونونها ونصب «بينكم » فالمعنى : إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتوادُّونَ على عبادتها، وتتواصلون عليها في الدنيا ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ تتبرأ الأوثان من عبادة عابديها وتتبرأ السادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة.
ومأواكم النار جميعاً، العابدون والمعبودون وَمَا لَكُمْ مِن نَاصِرِينَ .
فإن قيل :( قال قبل هذا )٣٣ ومأواكم النار، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير على لفظ الواحد.
وقال هنا : وما لكم من ناصرين على لفظ الجمع فما الحكمة فيه ؟.
فالجواب : أنهم لما أرادوا إحراق إبراهِيمَ عليه ( الصلاة و )٣٤ السلام، قالوا : نحن ننصر آلهتنا، كما قال تعالى ( عنهم )٣٥ : حَرِّقُوه وانصروا آلهتكم، فقال : أنتم ادَّعَيْتُم أن لهؤلاء ناصرينَ فما لكم كلكم أي الأوثان وعبدتهما من ناصرين، وأما هناك فلم يسبق منهم دعوى النصر فنفى الجنس بقوله :«ولا نصير ».

١ إعراب القرآن للنحاس ٣/٢٥٤، والدر المصون ٤/٣٠١، والبيان لابن الأنباري ٢/٢٤٢، وإعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤/١٦٧، ومعاني القرآن للفراء ٢/٣١٦، والتبيان لأبي البقاء ٢/١٠٣١، ومشكل إعراب القرآن ٢/١٦٨، ١٦٩..
٢ الكشف ٢/١٢٨. وهي قراءة أبي عمرو، وابن كثير، والكسائي "غير منون" وخفض "بينكم"، مودة بينكم" أي على الإضافة. وانظر: التبيان ٢/١٠٣١، والنشر ٣/٣٤٣، وتقريب النشر ١٥٨، وانظر: السبعة لابن مجاهد ٤٩٨، والإتحاف ٣٤٥، والحجة لابن خالويه ٢٧٩، بدون نسبة كما في التبيان..
٣ وهي قراءة نافع وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر منوناً بالنصب، وقرأ حفص وحمزة وعاصم في رواية حفص "مودة بينكم" بنصب مودة مع الإضافة، السبعة ٤٩٩، وانظر: النشر ٢/٢٤٣، وتقريب النشر ١٥٨ والإتحاف ٣٤٥، وحجة ابن خالويه ٢٧٩..
٤ التبيان ١٠٣٠، والدر المصون ٤/٣٠١، والبيان ٢/٢٤٢، والبحر المحيط ٧/١٤٨، ١٤٩..
٥ التبيان ٢/١٠٣٠، والدر المصون ٤/٣٠١..
٦ انظر: البحر المحيط ٧/١٤٨، ومعاني القرآن ٢/٣١٦، والدر المصون ٤/٣٠١..
٧ التبيان ٢/١٠٣٠، والكشف ٢/١٧٨ والمشكل ٢/١٦٨..
٨ التبيان ٢/١٠٣٠..
٩ ما بين المعقوفين ساقط من ب..
١٠ انظر: البحر المحيط ٧/١٤٨..
١١ ساقط من أ..
١٢ انظر: المراجع السابقة..
١٣ نافع: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أبو الرحمن الليثي مولاهم أحد القراء السبعة والأعلام، ثقة: صالح، أخذ عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبي جعفر القارئ وغيرهما، مات سنة ١٦٩، انظر: غاية النهاية ٢/٣٣٠..
١٤ ابن عامر: عبد الله بن عامر بن يزيد بن عمران اليحصبي، إمام أهل الشام في القراءة، وإليه انتهت مشيخة الإقراء بها مات سنة ١١٨ هـ، انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ١/٤٢٤..
١٥ أبو بكر بن سالم الأسدي الكوفي الإمام أحد الأعلام مولى واصل الأحدب، وكان ضابطاً، اختلف في اسمه، قرأ على عاصم، وروى عن إسماعيل السدي، وأبي حصين، مات سنة ١٩٣ هـ. انظر: غاية النهاية ١/٣٢٥، ومعرفة القراء الكبار للذهبي ١/١٣٤ و ١٣٨، وخلاصة الكمال للخزرجي ٤٤٥..
١٦ ما بين المعقوفين ساقط من النسخة ب..
١٧ حفص: هو حفص بن سليمان أبو عمرو البزاز، أخذ عن عاصم مرتفعاً إلى علي بن أبي طالب من رواية أبي عبد الرحمن السلمي، مات حفص قبل الطاعون سنة ١٣١ هـ. انظر: الفهرست لابن النديم ٤٣..
١٨ انظر: حجة ابن خالويه ٢٨٠..
١٩ لأنه ظرف والأصل فيه النصب، على أن مكي أجاز نصبه على أنه صفة لمودة، الكشف ٢/٢٧٨..
٢٠ عاصم بن بهدلة بن أبي النجود وأبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي شيخ الإقراء بالكوفة وأحد القراء السبعة أخذ القراءة عرضاً عن زر بن حبيش، والسلمي وروى عنه أبان بن تغلب، وحفص، مات سنة ١٢٠ هـ. انظر: خلاصة الكمال ٣٤٧ و ٣٤٩، وغاية النهاية ١/٣٤٧..
٢١ [الأنعام: ٩٤]، وانظر: السبعة ٢٦٣..
٢٢ انظر: البيان ٢/٢٤٢ و ٢٤٣..
٢٣ قال أبو حيان في البحر: "ويجوز أن يتعلقا بمحذوفين فيكونان في موضع الصفة" البحر ٧/١٤٨..
٢٤ البيان ٢/٢٤٣..
٢٥ انظر: شرح المفصل لابن يعيش ١/٤٥، والبحر ٧/١٤٩..
٢٦ ساقط من ب..
٢٧ انظر: التبيان ٢/١٠٣٢، والدر المصون ٤/٣٠٣..
٢٨ المرجع السابق..
٢٩ انظر: البيان ٢/٢٤٣..
٣٠ انظر: التبيان ٢/١٠٣٢، والدر المصون ٤/٣٠٣ وانظر في كل ما سبق المشكل ٢/٦٨، ١٧٢..
٣١ ساقط من ب..
٣٢ في ب: فصل بدل قوله..
٣٣ ساقط من ب..
٣٤ ساقط من ب..
٣٥ ساقط من ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية