ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال : ولما أن جاءتْ رُسُلُنَا لوطاً سِيء بهم أي : ساءه مجيئُهم وغمه، مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن " : صلة ؛ لتأكيد الفعلين، وترتيب أحدهما على الآخر، كأنهما وُجِدا في جزء واحد من الزمان، كأنه قيل : لمَّا أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. وضاق بهم ذَرْعاً أي : ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعُه وطاقته، وقد جعلوا ضيقَ الذرعِ والذراع عبارةً عن فقد الطاقة، كما قالوا : رحْب الذراع، إذا كان مُطيقاً للأمور، والأصلَ فيه : إن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها.
وقالوا ، لمّا رأوا فيه أثر الضجر والخوف : لا تخفْ ولا تحزنْ على تمكنهم منا، إنا منجُّوكَ وأهلَكَ أي : وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك " : نصب بفعل محذوف، إلا امرأتكَ كانت من الغابرين . في الكلام حذف يدل عليه ما في هود١، أي : لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعاً، وأما أنت ؛ فإنا منجوك. . . إلخ ؛ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر : إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم.
قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته : وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقولُ إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ [ الأنفال : ٣٣ ]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ [ المائدة : ١٧ ] الآية. هـ. قلت : ظاهر قوله تعالى : يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [ هود : ٧٤ ] ؛ أن مجادلته كانت عن قومه فقط ؛ لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ... حتى قال له تعالى : يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا عَنْ هَذَا [ هود : ٧٥، ٧٦ ] لَمَّا تَحَتَّمَ عليهم العذاب، فتأمله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي