ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاء هم
العذاب وليأتينهم بغثة وهم لا يشعرون٥٣ }
عجيب أن يطلب الإنسان لنفسه العذاب، وأن يستعجله إن أبطأ عليه، إذن : ما طلبه هؤلاء إلا لاعتقادهم أنه غير واقع بهم، وإلا لو وثقوا من وقوعه ما طلبوه.
ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب.. ٥٣ [ العنكبوت ] لأن كل شيء عند الله بميقات وأجل، والأجل يختلف باختلاف أصحابه وهو أجل الناس وأعمارهم، وهي آجال متفرقة فيهم، لكن هناك أجل يجمعهم جميعا، ويتفقون فيه، وهو أجل الساعة.
فقوله تعالى : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ٣٤ [ الأعراف ] أي : بآجالهم المتفرقة. أما أجل القيامة فأجل واحد مسمى عنده تعالى، ومن عجيب الفرق بين الأجلين أن الآجال المتفرقة في الدنيا تنهي حياة، اما أجل الآخرة فتبدأ به الحياة.
والمعنى ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب.. ٥٣ [ العنكبوت ] أن المسألة ليست على هواهم ورغباتهم ؛ لذلك يقول تعالى : خلق الإنسان من عجل.. ٣٧ [ الأنبياء ] ويقول : سأريكم آياتي فلا تستعجلون٣٧ [ الأنبياء ]
لذلك لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية بينه وبين كفار مكة، ورضي أن يعود بأصحابه دون أداء فريضة العمرة غضب الصحابة وعلي وعمر، ولم يعجبهم هذا الصلح، وكادوا يخالفون رسول الله غيره منهم على دينهم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة رضي الله عنها وقال :( ( هلك المسلمون ) )١قالت : ولم يا رسول الله ؟ قال :( ( أمرتهم فلم يمتثلوا ) ) فقالت : يا رسول الله اعذرهم، فهم مكروبون، جاءوا على شوق لبيت الله، وكانوا على مقربة منه هكذا، ثم يمنعون ويصدون، اعذرهم يا رسول الله، ولكن امض فاصنع ما أمرك الله به ودعهم، فإن هم رأوك فعلت فعلوا، وعلموا أن ذلك عزيمة.
وفعلا ذهب رسول الله، وتحلل من عمرته، ففعل القوم مثله، ونجحت مشورة السيدة أم سلمة، وأنقذت الموقف.
ثم بين الله لهم الحكمة في العودة هذا العام دون قتال، ففي مكة إخوان لكم آمنوا، ويكتمون إيمانهم، فإن دخلتم عليهم مكة فسوف تقتلونهم دون علم بإيمانهم.
وكان عمر – رضي الله عنه – كعادته شديدا في الحق، فقال : يا رسول الله، ألسنا على الحق ؟ قال صلى الله عليه وسلم ( ( بلى ) ) قال : أليسوا على الباطل ؟ قال صلى الله عليه وسلم ( ( بلى ) ) قال : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ فقال أبو بكر : الزم غرزك يا عمر٢.. يعني قف عند حدك وحجم نفسك، ثم قال بعدها ليبرز هذه المعاهدة : ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية – لا فتح مكة.
لماذا ؟ لأن الحديبية انتزعت من الكفار الاعتراف بمحمد، وقد كانوا معارضين له غير معترفين بدعوته، لأن يكاتبونه معاهدة ويتفقون معه على رأي، ثم إنها أعطت رسول الله فرصة للتفرغ لأمر الدعوة ونشرتها في ربوع الجزيرة العربية، لكن في وقتها لم يتسع ظن الناس لما بين محمد وربه، والعباد عادة ما يعجلون، والله – عز وجل – لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد سبحانه.
ثم يقول تعالى : وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون٥٣ [ العنكبوت ] يعني : فجأة، وليس حسب رغبتهم وهم لا يشعرون٥٣ [ العنكبوت ] لا يشعرون ساعتها أم لا يشعرون الآن أنها حق، وأنها واقعة لأجل مسمى ؟
المراد لا يشعرون الآن أنها آتية، وأن لها أجلا مسمى، وسوف تباغتهم بأهوالها، فكان عليهم أن يعلموا هذه من الآن، وأن يؤمنوا بها. إذن : فليس المراد أنهم لا يشعرون بالبغتة ؛ لأن شعروهم بالبغتة ساعتها لا ينفعهم بشيء.
أما الهجرة إلى المدينة بعد الهجرة إلى الحبشة فكان لدار أمن وإيمان معا، حيث تأمن فيها على دينك، وتتمكن فيها من نشره والدعوة إليه، وتجد بها إخوانا مؤمنين يواسونك بأموالهم، وبكل ما يملكون، وقد ضرب الأنصار في مدينة رسول الله أروع مثل في التاريخ في المساواة، فالأنصاري كان يرى أخاه المهاجر ترك أهله في مكة، وله إربة وحاجة للنساء، فيطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها، فانظر ماذا فعل الإيمان بالأنصار.
وفي قوله سبحانه فإياي فاعبدون٥٦ ( العنكبوت ) أسلوب يسمونه أسلوب قصر، مثل قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ٥ ( الفائحة )
وفرق بين أن نقول : نعبدك. و( إياك نعبد ) : نعبدك لا تمنع أن نعبد غيرك، أما( إياك نعبد ) فتقصر العبادة على الله –عز وجل -، ولا تتجاوزه إلى غيره.
فالمعنى- إذن : إن كنت ستهاجر فلتكن هجرتك لله، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف :" فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " ٣.

١ أخرجه أحمد في مسنده (٤/٣٢٦) ضمن حديث صلح الحديبية الطويل من حديث المسور بن مخرمة الزهري ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأيها الناس انحروا واحلقوا فما قام أحد ثم عاد بمثلها فما قام رجل حتى عاد بمثلها فما قام رجل فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة فقال: يا أم سلمة ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت فلا تكلمن منهم إنسانا واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك فخرج رسول الله لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق فقام الناس ينحرون ويحلقون))..
٢ أخرج نحوه مسلم في صحيحه (١٧٨٥) كتاب الجهاد، والبخاري في صحيحه (٤٨٤٤) في نفسيره سورة الفتح من حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه..
٣ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (١)، وكذا مسلم في صحيحه (١٩٠٧) كتاب الإمارة (١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير