وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب استهزاء وتكذيباً منهم بذلك كقولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : ٣٢ ]. وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى قد جعله الله لعذابهم وعينه، وهو القيامة، وقال الضحاك : الأجل : مدّة أعمارهم ؛ لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب لَّجَاءهُمُ العذاب أي لولا ذلك الأجل المضروب لجاءهم العذاب الذي يستحقونه بذنوبهم. وقيل : المراد بالأجل المسمى : النفخة الأولى. وقيل : الوقت الذي قدّره الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر. والحاصل : أن لكل عذاب أجلاً لا يتقدّم عليه ولا يتأخر عنه كما في قوله سبحانه : لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ [ الأنعام : ٦٧ ]. وجملة : وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً مستأنفة مبينة لمجيء العذاب المذكور قبلها.
ومعنى بغتة : فجأة، وجملة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ في محل نصب على الحال، أي حال كونهم لا يعلمون بإتيانه.
وأخرج الفريابي والدارمي، وأبو داود في مراسيله وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة قال : جاء أناس من المسلمين بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«كفى بقوم حمقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم» فنزلت : أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ الآية. وأخرجه الإسماعيلي في معجمه، وابن مردويه من طريق يحيى بن جعدة عن أبي هريرة، فذكره بمعناه. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، والبيهقي في الشعب عن الزهري ؛ أن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرؤه والنبي صلى الله عليه وسلم يتلوّن وجهه فقال :«والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا نبيكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم». وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد وابن الضريس، والحاكم في الكنى، والبيهقي في الشعب عن عبد الله ابن الحارث الأنصاري قال : دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال : هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيراً شديداً لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحارث لعمر : أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، فسرّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال :«لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظكم من الأمم». وأخرج نحوه عبد الرزاق والبيهقي من طريق أبي قلابة عن عمر. وأخرج البيهقي وصححه عن عمر بن الخطاب قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعلم التوراة فقال :«لا تتعلمها وآمن بها، وتعلموا ما أنزل إليكم وآمنوا به» وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين قال : جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه وتكون فيه الشمس والقمر ثم يستوقد فيكون هو جهنم، وفي هذا نكارة شديدة، فإن الأحاديث الكثيرة الصحيحة ناطقة بأن جهنم موجودة مخلوقة على الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني