(يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم) أي من جميع جهاتهم لقوله تعالى (من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل)، فإذا غشيهم العذاب على هذه الصفة فقد أحاطت بهم جهنم. قيل: خص الجانبين ولم يذكر اليمين ولا الشمال، ولا الخلف ولا الأمام، لأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، فنار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويمينه وشماله، وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم بل تطفأ، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم، ذكره الرازي.
(ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) والقائل هو الله سبحانه وتعالى أو بعض ملائكته بأمره في ذلك اليوم، أي ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي، فلا تفوتوننا قرئ: نقول بالنون وبالتحتية لقوله: قل كفى بالله، وقرئ: ويقال ذوقوا، ولما ذكر سبحانه حال الكفرة من أهل الكتاب ومن المشركين وجمعهم في الإنذار، وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المسلمين بكل وجه فقال الله سبحانه:
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)
صفحة رقم 210فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري