ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

واللام في ليكفروا... ٦٦ ( العنكبوت ) ليست لام التعليل ؛ لأن الكفر لم يكن مقصدا لهم، وحين عادوا بعد أن نجاهم الله إنما عادوا إلى أصلهم ١، فاللام هنا لام الأمر٢ كما لو قلت : ثم يا زيد وليقم عمرو، وعلامة لام الأمر أن تكون ساكنة، وهي هنا مكسورة لأنها في بداية الكلام، حيث لا يبدأ بساكن، ولو وضعنا قبلها حرفا لتبين سكونها.
ومثالها في قوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق٢٩ ( الحج )
وقوله سبحانه : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله... ٧ ( الطلاق )
والدليل على أنها لام الأمر سكون اللام بعدها في قراءة من سكنها، وفي وليتمتعوا... ٦٦ ( العنكبوت ) وقوله سبحانه : فسوف يعلمون٦٦ ( العنكبوت ) فرق في الاستقبال بين السين وسوف، فلو قال : فسيعلمون لدلت على التهديد في المستقبل القريب، وأنه سيحل بهم العذاب في الدنيا، أما " سوف " فتدل على المستقبل البعيد، فتشمل التهديد في الدنيا وفي الآخرة فهي تستغرق الزمن كله، لأن المسلمين في مبادئ الأمر كانوا مستضعفين، لا يستطيعون حماية أنفسهم، وذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وسلم يطلبون منه أن يستنصر الله لهم فلو قال حينئذ في تهديد الكفار " فسيعلمون " لم تكن مناسبة، إنما أعطى الأمد الأوسع للتهديد، فقال : فسوف يعلمون ٦٦ ( العنكبوت )
فقالوا : فما لنا إن فعلنا ؟ كان من الممكن أن يقول لهم : ستملكون الأرض أو ستنتشر دعوة الله بكم وتنتصرون على عدوكم، لكن هذه الوعود قد يراها بعضهم ويموت بعضهم قبل أن تتحقق، فلا يرى منها شيئا، لذلك ذكر لهم جزاء يستوي فيه الجميع من يعيش منهم، ومن يموت، فقال : " لكم الجنة " ٣.
وأيضا حين يصرفهم عن دنيا الناس إلى أمر يكون في الدنيا أيضا، فهي صفقة خاسرة، إنما أراد أن يصرفهم عن دنيا الناس إلى شيء أعظم مما في دنيا الناس، وليس هناك أعظم من دنيا الناس إلا الجنة.
والصحابي الذي أخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وسلم بأن الجنة جزاء الشهيد، وكان يمضغ تمرة في فمه فقال : يا رسول الله، أليس بيني وبينك الجنة إلا أن قتل في سبيل الله ؟ قال : بلى، فألقى التمرات وبادر إلى ساحة القتال يستعجل هذا الجزاء٤إذن : فسوف صالحة للزمن المستقبل كله، أما السين فالقريب ؛ لذلك يستخدمها القرآن في مسائل الدنيا، كما في قوله تعالى : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.... ٥٣ ( فصلت )
وهذه الرؤية ممتدة من زمن رسول الله، وإلى أن تقوم الساعة، فكل يوم يجد في ظواهر الكون أمور تدل على قدرة الله تعالى، فمستقبل أسرار الله في كونه لا تنتهي أبدا إلا بالسر الأعظم في الآخرة، ففي زمن رسول الله قال سنريهم... ٥٣ ( فصلت ) وستظل كذلك سنريهم... ٥٣ ( فصلت ) إلى أن تقوم الساعة.
ونلحظ أن المصاحف ما زال في رسمها كلام حتى الآن، فهنا وليتمتعوا... ٦٦ ( العنكبوت ) تجد تحت اللام كسرة، مع أنها ساكنة، وهذا يعني أن كتاب الله غالب، وليس هناك محص له.
وأذكر أن سيدنا الشيخ الباقي ٥ رضي الله عنه وجزاه الله عما أذكر
قدم للإسلام خير الجزاء- أعد المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وحاول أن يحصى ألفاظه لا سيما لفظ الجلالة ( الله ) الذي من أجله أعد هذا الكتاب، ومع ذلك نسى لفظ الجلالة في البسملة، وبدأ من الحمد لله رب العالمين ٢ ( الفاتحة ) ؛ لذلك نقص العدد عنده واحدا٦. وما ذلك إلا لأن كتاب الله أعظم وأكبر من أن يحاط به.

١ قال ابن كثير في تفسيره(٣/٤٢١):"هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة لأنهم لا يقصدون ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل"..
٢ قال جمال الدين ابن هشام الأنصاري في مغنى اللبيب(١/١٨٦) طبعة عيسى البابي الحلبي:" وأما ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا... ٦٦(العنكبوت) فيحتمل اللامان، منه التعليل فيكون ما بعدهما منصوبا، والتهديد فيكون مجزوما، ويتعين الثاني في اللام الثانية في قراءة من سكنها، فيترجح بذلك أن تكون اللام الأولى كذلك، ويؤيده أن بعدهما فسوف يعلمون ٦٦(العنكبوت)"..
٣ عن أبي مسعود البدري قال: "انطلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعه العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال: ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة، فإن عليكم من المشركين عينا وإن يعلموا بكم يفضحوكم فقال قائلهم وهو أبو أمامة: سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله عز وجل وعليكم إذا فعلنا ذلك فقال: أسألكم لربي عز وجل أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة. قالوا: فلك ذلك. أخرجه أحمد في مسنده(٤/١٢٠)..
٤ أخرجه مسلم في صحيحه(١٨٩٩)، وكذا البخاري في صحيحه(٤٠٤٦) من حديث جابر رضي الله عنه"أن رجلا قال للنبي يوم أحد" الحديث. قال ابن حجر العسقلاني في الفتح(٧/٣٥٤) :"لم أقف على اسمه"..
٥ هو: محمد فؤاد عبد الباقي، ولد في قرية بالقليوبية بمصر عام١٨٨٢م، ونشأ في القاهرة، ودرس في بعض مدارسها، ثم عمل مترجما عن الفرنسية في البنك الزراعي (١٩٠٥-١٩٣٣) وانقطع في التأليف. توفي بالقاهرة عام ١٩٦٨م عن٨٦ عاما.(الأعلام للزركلي٦/٣٣٣)..
٦ أورد محمد فؤاد عبد الباقي (١١٢٥) موضعا في القرآن ذكر فيه لفظ الجلالة مجرورا مبتدئا بقوله تعالىالحمد لله رب العالمين ٢(الفاتحة)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير