هذا الكون، ومدبر هذا الوجود ومنظمه، ثم تشركون معه في الربوبية آلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟!! والله سبحانه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويوسعه، ويضيق الرزق على من يشاء ويقتر عليه سواء كان في بلده ووسط أهله وعشيرته أو هاجر إلى بلد ناء بعيد، إن الله بكل شيء عليم.
ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به موات الأرض، وعطاش الحيوان؟
ليقولن الله! عجبا لهم فكيف يشركون معه غيره؟! قل لهم: الحمد لله قد لزمتكم الحجة، وقد أقررتم بذلك. والحمد لله على ما أنزل من مطر أحيا به الأرض بعد موتها، الحمد لله على كل حال.
بل أكثرهم لا يعقلون إدراك هذه الأسرار.
وما هذه الحياة الدنيا التي يتكالب عليها الناس إلا لهو ولعب، فهي في حقارتها وسرعة زوالها وانقضائها، وأنه لا خير فيها ولا دوام لها كاللهو واللعب، وإن الدار الآخرة لهى الحياة الدائمة، الحياة الكاملة التي لا زوال فيها ولا انقضاء، لو كانوا يعلمون ما يبقى على ما يفنى، وفي هذا أيضا تنفير من الدنيا وتحبيب في العمل الصالح.
وتربية سليمة لخلق المؤمن الكامل صاحب المثل العليا الذي يستحق من الله وصفه بالعبودية له.
بيان حال الكفار في الشدة والرخاء [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٥ الى ٦٩]
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
المفردات:
الْفُلْكِ: السفينة في البحر مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: صادقين في نياتهم حَرَماً آمِناً: حرما ذا أمن وطمأنينة مَثْوىً: مأوى ومستقر يُتَخَطَّفُ الخطف: الأخذ بسرعة، والمراد: يقتل بعضهم بعضا بسرعة ويسبى بعضهم بعضا أَظْلَمُ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
المعنى:
هذه الحياة الدنيا التي هي لهو ولعب هي السبب في كفر هؤلاء وشركهم وذلك أنه إذا انقطع رجاؤهم من الدنيا بسبب من الأسباب كأن ركبوا في الفلك واضطرب البحر وعصفت الريح، وتيقنوا الغرق، إذا حصل هذا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد، ودعوا الله مخلصين له النية، صادقين بحسب الظاهر في الدعاء، وفي الحقيقة قلوبهم مشحونة بالشرك بدليل أنه إذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ.
وكانت العاقبة أنهم كفروا بالله، وبما آتاهم من نعمه، وبما حباهم من فضل، لتكون عاقبتهم أيضا أنهم يتمتعون في الدنيا متاعا هم مهددون فيه بالفقر والمرض والموت، وفي الآخرة سوف يعلمون عاقبة ذلك كله لأنهم سيجازون الجزاء الأوفى على أعمالهم.
عجبا لهؤلاء! يدعون الله مخلصين له الدين إذا كانوا في حال شديدة من الخوف والاضطراب، وعندئذ يضلون عن الأصنام والأوثان، فإذا أمنوا على أنفسهم وزال
الخطر عنهم يكفرون بالله ويدعون الأوثان.. إن هذا لعجيب فإن حالهم متناقضة إذ دعاؤهم الله في الضراء دليل على أنهم يثقون أن النعمة ودفع الأذى منه وحده، فما بالهم وقد عادوا إلى السراء، وحلوا بالأوطان يكفرون بالرحمن.. ويعبدون الأوثان؟! أعموا ولم يعلموا أن الله- سبحانه وتعالى- هو الذي جعل حرمهم مكان أمن وطمأنينة يأمن فيه الخائف، ويسكن فيه المضطرب، ويتخطف الناس من حوله بالسرقة والقتل، والسلب والنهب.
أعموا ولم يعلموا أن صاحب الفضل في الشدائد الذي أنجاهم من المخاوف هو الله الذي حباهم بالنعمة، وأسكنهم الحرم الأمين؟ عجبا لهم! أبالباطل وما لا خير فيه بل ما فيه الضرر يؤمنون، وبنعمة الله وفضله يكفرون؟! ولما بين الله- سبحانه- الصراط المستقيم الموصل إلى الجنة، والطريق المعوج الموصل إلى النار، وحذر الناس من اتباعه، وحثهم على سلوك طريق الحق والنور، لما بين الله هذا وذاك أمر نبيه أن يقول للناس: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب.
وها أنذا أدعى أنى رسول الله وأن ما أنزل على هو كتاب الله، وبعضكم كذبني، ولا يخلو الحال من أمرين لا ثالث لهما: إما أننى كاذب في دعواي وقد افتريت على الله الكذب، وإما أنكم قد كذبتم بالحق لما جاءكم من عنده، لكنني معترف بالحساب والجزاء لمن كذب على الله فلا يعقل أن أقدم على ذلك إذا في القرآن الذي نزل على أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ والمتنبي الكاذب كافر بلا شك.
وأما أنتم فقد كذبتموني وكفرتم بالله وباليوم الآخر، وفي جهنم مثوى القوم الكافرين أمثالكم.
وأما أنتم أيها المؤمنون فلا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، فإن الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وبأنفسهم أو بما قدروا عليه فالله هاديهم وموفقهم، وحافظهم وراعيهم، وهو معهم، وناهيك بالمعية القدسية، والقرب من الحضرة العلية، وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء من عباده، وربك ذو فضل عظيم.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي