أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً أي ألم ينظروا ؟ يعني : كفار قريش أنا جعلنا حرمهم هذا حرماً آمناً يأمن فيه ساكنه من الغارة والقتل والسبي والنهب فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيرهم من العرب فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها، وجملة وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ في محل نصب على الحال، أي يختلسون من حولهم بالقتل والسبي والنهب.
والخطف : الأخذ بسرعة، وقد مضى تحقيق معناه في سورة القصص أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وهو الشرك بعد ظهور حجة الله عليهم وإقرارهم بما يوجب التوحيد وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ يجعلون كفرها مكان شكرها، وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره.
سورة العنكبوت
تفسير سورة العنكبوت، هي تسع وستون آية وقد اختلف في كونها مكية أو مدنية، أو بعضها مكياً وبعضها مدنياً على ثلاثة أقوال : الأول أنها مكية كلها، أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، وأخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، وبه قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد. والقول الثاني أنها مدنية كلها، قال القرطبي : وهو أحد قولي ابن عباس وقتادة. والقول الثالث أنها مكية إلا عشر آيات من أولها، قال القرطبي : وهو أحد قولي ابن عباس وقتادة، وهو قول يحيى بن سلام. وحكي عن علي بن أبي طالب أنها نزلت بين مكة والمدينة، وهذا قول رابع. وأخرج الدارقطني في السنن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات، يقرأ في الركعة الأولى العنكبوت أو الروم، وفي الثانية يس.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني