ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

الآية السابعة عشرة : قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ .
فيها ست مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : أُمَّةٌ : كلمة ذَكَر لها علماءُ اللسان خمسة عشر معنى، وقد رأيتُ مَن بَلَّغها إلى أربعين، منها أنَّ الأمةَ بمعنى الجماعة، ومنها أنَّ الأمةَ الرجل الواحد الداعِي إلى الحقّ.
المسألة الثانية : في هذه الآية وفي التي بعدها وهي قوله : كُنْتُمْ َخَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : ١١٠ ]، دليلٌ على أنَّ الأمْرَ بالمعروف والنهْيَ عن المنكر فرْضُ كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرةُ الدين بإقامة الحجَّةِ على المخالفين، وقد يكون فَرْضَ عينٍ إذا عَرَف المرءُ من نفسه صلاحيةَ النظَرِ والاستقلال بالجدال، أو عُرِف ذلك منه.
المسألة الثالثة : في مطلق قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ دليلٌ على أنَّ الأمر بالمعروف والنهْيَ عن المنكر فَرْضٌ يقومُ به المسلم، وإن لم يكن عَدْلاً، خلافاً للمبتدعة الذين يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العدالة.
وقد بينّا في كتب الأصول أنَّ شروطَ الطاعات لا تثبت إلا بالأدلَّة، وكلُّ أحد عليه فرْضٌ في نفسه أن يُطيعَ، وعليه فَرْضٌ في دينه أن ينبِّه غيرَه على ما يجهله من طاعةٍ أو معصية، وينهاه عما يكون عليه من ذَنْب. وقد بيناه في الآية الأولى قبلها.
المسألة الرابعة : في ترتيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«مَنْ رأى منكم مُنْكراً فليغيِّرْهُ بيده، فإنْ لم يستَطِعْ فبِلسانِه، فإن لم يستطع فبِقَلْبه، وذلك أضعَفُ الإيمان ». وفي هذا الحديث من غريب الفِقْهِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بدأ في البيان بالأخير في الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يُبْدأ باللسان والبيان، فإن لم يكن فباليد.
يعني أن يحولَ بين المنكر وبين متعاطيه بنَزْعه وبجَذْبِه منه، فإن لم يقدِرْ إلا بمقاتلةٍ وسلاح فليتركه، وذلك إنما هو إلى السلطان ؛ لأن شَهْرَ السلاح بين الناس قد يكون مُخْرجاً إلى الفتنة، وآيِلاً إلى فسادٍ أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن يَقْوَى المنكر ؛ مثل أن يرى عدوّاً يقتل عدوّاً فينزعه عنه ولا يستطيع ألاّ يدفعه، ويتحقّق أنه لو تركه قتله، وهو قادر على نَزْعه ولا يسلمه بحال، وليخرج السلاح.
وقد بيناه في موضعه.
ويعني بقوله :«وذلك أضعف الإيمان » أنه ليس وراءَه في التغيير درجة.
المسألة الخامسة : في هذه الآية دليلٌ على مسألةٍ اختلف فيها العلماء ؛ وهي إذا رأى مسلمٌ فَحْلاً يصولُ على مسلم فإنه يلزمه أن يدفَعَه عنه، وإنْ أدّى إلى قَتْلِه، ولا ضمانَ على قاتله حينئذ ؛ سواء كان القاتل له هو الذي صال عليه الفَحْل، أو مُعِيناً له من الْخَلْق ؛ وذلك أنه إذا دفعه عنه فقد قام بقَرْضٍ يلزمُ جميعَ المسلمين ؛ فناب عنهم فيه ؛ ومن جملتهم مالِكُ الفحل ؛ فيكف يكون نائباً عنه في قَتْل الصائل ويلزمه ضمانُه ؟
وقال أبو حنيفة : يلزمه الضمان ؛ وقد بيناها في مسائل الخلاف.
المسألة السادسة : في هذه الآية دليلٌ على تعظيم هذه الأمة ؛ وكذلك في قوله سبحانه : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : ١١٠ ]، وإشارةٌ لتقديمها على سائر الأمم.
وفي الأثر ينمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم :«إنكم تتمُّون سبعين أمه أنتم خَيْرُها ».

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن العربي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير