فأما المقطع الأول فيمثل طرفا من المعركة الجدلية بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة في المدينة، في تلك الفترة التي رجحنا أن السورة تناولت أحداثها في حياة الجماعة المسلمة - من بعد غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في شوال من العام الثالث.. هذه المعركة التي شغلت ما مر من السورة كله. والتي كانت مجالا لتجلية حقيقة التصور الإيماني وحقيقة " الدين "، وحقيقة " الإسلام "، وحقيقة منهج الله الذي جاء به الإسلام، وجاء به من قبل كل رسول. كما كانت مجالا لكشف حقيقة " أهل الكتاب " الذين يجادلون النبي [ ص ] ومن معه ويحاورونهم ؛ وكشف مدى انحرافهم عن دين الله ؛ وفضح تدبيرهم للجماعة المسلمة في المدينة، والدوافع الكامنة وراء هذا التدبير ؛ ثم تحذير الجماعة المسلمة من هذا كله، بعد تسليط الأنوار عليه، وتجسيم خطره على الجماعة المسلمة لو غفلت عنه، واستجابت لأعدائها فيه.
وأما المقطع الثاني - وهو يشغل مساحة كبيرة من السورة كذلك - فهو نقلة إلى معركة أخرى ليست باللسان والكيد والتدبير فقط ؛ ولكنها كذلك بالسيف والرمح والسنان. نقلة إلى " غزوة أحد " وأحداثها والتعقيبات عليها. في أسلوب هو أسلوب القرآن وحده ! وقد نزلت الآيات بعد المعركة ؛ فكانت مجالا لتجلية نواح متعددة من التصور الإيماني ؛ كما كانت مجالا لتربية الجماعة المسلمة على ضوء المعركة، وعلى ضوء ما كشفته من أخطاء في التصور، واضطراب في التصرف، وخلل في الصف.. وفرصة لتوجيه الجماعة المسلمة إلى المضي في طريقها، واحتمال تبعاتها، والارتفاع إلى مستوى الأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، والوفاء بشكر نعمة الله عليها في اصطفائها لهذا الأمر العظيم.
والمقطع الثالث عودة إلى أهل الكتاب، ونكولهم عن مواثيقهم مع النبي [ ص ] تلك المواثيق التي كان قد عقدها معهم أول مقدمه إلى المدينة ؛ والتنديد بانحراف تصوراتهم، وما اجترحوه من الآثام مع أنبيائهم كذلك. ثم تحذير الجماعة المسلمة من متابعتهم، وتثبيت القلوب المؤمنة على ما ينالها من الابتلاء في النفس والمال، وإيذاء أهل الكتاب والمشركين وتهوين شأن أعدائها على كل حال.
والمقطع الأخير يرسم صورة لحال المؤمنين مع ربهم، تمثل دبيب الإيمان في قلوبهم حين يواجهون آيات الله في الكون، ويتجهون إلى ربهم ورب هذا الكون بدعاء خاشع واجف. واستجابة ربهم لهم بالمغفرة وحسن الثواب. مع التهوين من شأن الكفار وما ينالونه من متاع قليل في هذه الأرض، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد..
وتختم السورة بدعوة من الله للذين آمنوا.. دعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى لعلهم يفلحون..
هذه المقاطع الأربعة المتلاحمة في السياق تكمل ما سبق عرضه من السورة [ في الجزء الثالث ] وتسير مع خطوطها الرئيسية العريضة التي فصلنا الحديث عنها هناك.. وسنتناولها بتفصيل خاص عند مواجهتها في السياق.
أما الشطر الثاني من هذا الجزء - وهو أوائل سورة النساء - فسنتحدث عنه - إن شاء الله - في موضعه. وبالله التوفيق..
في هذا الدرس تبلغ المعركة ذروتها. معركة الجدل والمناظرة مع أهل الكتاب. وهذه الآيات غير داخلة في نطاق مناظرة وفد نجران - كما ذكرت الروايات - ولكنها متساوقة معها، ومكملة لها، والموضوع واحد. وإن كانت آيات هذا الدرس تتمحض للحديث عن اليهود خاصة، وتواجه كيدهم ودسهم للجماعة المسلمة في المدينة. وتنتهي إلى الحسم القاطع، والمفاصلة الكاملة. حيث يتجه السياق بعد جولة قصيرة في هذا الدرس إلى الجماعة المسلمة يخاطبها وحدها ؛ فيبين لها حقيقتها، ومنهجها، وتكاليفها. على نحو ما سار السياق في سورة البقرة بعد استيفاء الحديث عن بني إسرائيل.. وفي هذه الظاهرة تشابه السورتان.
ويبدأ الدرس بتقرير أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - ويبدو أن هذا التقرير كان ردا على اعتراض بني إسرائيل على إباحة القرآن لبعض المحرمات اليهودية من الطعام. مع أن هذه المحرمات إنما حرمت عليهم وحدهم، في صورة عقوبة على بعض مخالفاتهم.
ثم يرد كذلك على اعتراضهم على تحويل القبلة - ذلك الموضوع الذي استغرق مساحة واسعة في سورة البقرة من قبل - فيبين لهم أن الكعبة هي بيت إبراهيم ؛ وهي أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة، فالاعتراض عليه مستنكر ممن يدعون وراثة إبراهيم !
وعقب هذا البيان يندد بأهل الكتاب لكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله ؛ ورفضهم الاستقامة، وميلهم إلى الخطة العوجاء، ورغبتهم في سيطرتها على الحياة، وهم يعرفون الحق ولا يجهلونه.
ومن ثم يدعو أهل الكتاب جملة ؛ ويتجه إلى الجماعة المسلمة، يحذرها طاعة أهل الكتاب.. فإنها الكفر.. ولا يليق بالمسلمين الكفر وكتاب الله يتلى عليهم، وفيهم رسوله يعلمهم. ويدعوهم إلى تقوى الله، والحرص على الإسلام حتى الوفاة ولقاء الله. ويذكرهم نعمة الله عليهم بتأليف قلوبهم، وتوحيد صفوفهم تحت لواء الإسلام، بعد ما كانوا فيه من فرقة وخصام، وهم يومئذ على شفا حفرة من النار أنقذهم منها الله بالإسلام. ويأمرهم بأن يكونوا الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. محافظة على تحقيق منهج الله، مع تحذيرهم الاستماع لدسائس أهل الكتاب فيهم، فيهلكوا بالفرقة كما تفرق هؤلاء فهلكوا في الدنيا والآخرة.. وتذكر الروايات أن هذا التحذير نزل بمناسبة فتنة معينة بين الأوس والخزرج قام بها اليهود.
ثم يعرف الله المسلمين حقيقة مكانهم في هذه الأرض، وحقيقة دورهم في حياة البشر :( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ).. فيدلهم بهذا على أصالة دورهم، وعلى سمة مجتمعهم.. يلي ذلك التهوين من شأن عدوهم فهم لن يضروهم في دينهم، ولن يظهروا عليهم ظهورا تاما مستقرا. إنما هو الأذى في جهادهم وكفاحهم، ثم النصر ما استقاموا على منهجهم. وهؤلاء الأعداء قد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعصية وقتل الأنبياء بغير حق.. ويستثني من أهل الكتاب طائفة جنحت للحق، فآمنت، واتخذت منهج المسلمين منهجا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات.. ( وأولئك من الصالحين ).. ويقرر مصير الذين كفروا فلم يجنحوا للإسلام ؛ فهم مأخوذون بكفرهم، لا تنفعهم أموال ينفقونها، ولا تغني عنهم أولاد، وعاقبتهم البوار.
وينتهي الدرس بتحذير الذين آمنوا من اتخاذ بطانة من دونهم، يودون لهم العنت، وتنفث أفواههم البغضاء، وما تخفي صدورهم أكبر، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ، ويفرحون لما ينزل بساحتهم من السوء ؛ ويسوؤهم الخير ينال المؤمنين.. ويعدهم الله بالكلاءة والحفظ من كيد هؤلاء الأعداء ما صبروا واتقوا ( إن الله بما يعملون محيط )..
ويدل هذا التوجيه الطويل، المنوع الإيحاءات، على ما كانت تعانيه الجماعة المسلمة حينذاك من كيد أهل الكتاب ودسهم في الصف المسلم ؛ وما كان يحدثه هذا الدس من بلبلة. كما أنه يشي بحاجة الجماعة إلى التوجيه القوي، كي يتم لها التميز الكامل، والمفاصلة الحاسمة، من كافة العلاقات التي كانت تربطها بالجاهلية وبأصدقاء الجاهلية !
ثم يبقى هذا التوجيه يعمل في أجيال هذه الأمة، ويبقى كل جيل مطالبا بالحذر من أعداء الإسلام التقليديين. وهم هم تختلف وسائلهم، ولكنهم لا يختلفون !
فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها.. هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض، ولتغليب الحق على الباطل، والمعروف على المنكر، والخير على الشر.. هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه، ووفق منهجه.. فهي التي تقررها الآية التالية :
( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون )..
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك " دعوة " إلى الخير. ولكن هناك كذلك " أمر " بالمعروف. وهناك " نهي " عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن " الأمر والنهي " لا يقوم بهما إلا ذو سلطان..
هذا هو تصور الإسلام للمسألة.. إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى.. سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر.. سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله.. سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر.. وتحقيق هذا المنهج يقتضي " دعوة " إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج. ويقتضي سلطة " تأمر " بالمعروف " وتنهى " عن المنكر.. فتطاع.. والله يقول :( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ).. فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان. فهذا شطر. أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره، زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب !
والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبريائهم. وفيهم الجبار الغاشم. وفيهم الحاكم المتسلط. وفيهم الهابط الذي يكره الصعود. وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد. وفيهم المنحل الذي يكره الجد. وفيهم الظالم الذي يكره العدل. وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة.. وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف، ويعرفون المنكر. ولا تفلح الأمة، ولا تفلح البشرية، إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفا، والمنكر منكرا.. وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى.. وتطاع..
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين : الإيمان بالله والأخوة في الله. لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة، وكلفها به هذا التكليف. وجعل القيام به شريطة الفلاح. فقال عن الذين ينهضون به :
( وأولئك هم المفلحون )..
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته. فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير. المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل. والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم.. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. والحق فيه أقوى من الباطل. والعدل فيه أنفع من الظلم.. فاعل الخير فيه يجد على الخير اعوانا. وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا.. ومن هنا قيمة هذا التجمع..
إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه. والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه.
والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص.. يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافا جوهريا أصيلا. فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة. لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية.
هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له ؛ فيحيا فيه هذا التصور، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه. وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة.
هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة. الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض.. والأخوة في الله. كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار. الإيثار المنطلق في يسر، المندفع في حرارة، المطمئن الواثق المرتاح.
وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين.. على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله - سبحانه - وتمثل صفاه في الضمائر ؛ وتقواه ومراقبته، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال. وعلى الحب. الحب الفياض الرائق، والود. الود العذب الجميل، والتكافل. التكافل الجاد العميق.. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا، لولا أنه وقع، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض. ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان !
وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان..
فأما المقطع الأول فيمثل طرفا من المعركة الجدلية بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة في المدينة، في تلك الفترة التي رجحنا أن السورة تناولت أحداثها في حياة الجماعة المسلمة - من بعد غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في شوال من العام الثالث.. هذه المعركة التي شغلت ما مر من السورة كله. والتي كانت مجالا لتجلية حقيقة التصور الإيماني وحقيقة " الدين "، وحقيقة " الإسلام "، وحقيقة منهج الله الذي جاء به الإسلام، وجاء به من قبل كل رسول. كما كانت مجالا لكشف حقيقة " أهل الكتاب " الذين يجادلون النبي [ ص ] ومن معه ويحاورونهم ؛ وكشف مدى انحرافهم عن دين الله ؛ وفضح تدبيرهم للجماعة المسلمة في المدينة، والدوافع الكامنة وراء هذا التدبير ؛ ثم تحذير الجماعة المسلمة من هذا كله، بعد تسليط الأنوار عليه، وتجسيم خطره على الجماعة المسلمة لو غفلت عنه، واستجابت لأعدائها فيه.
وأما المقطع الثاني - وهو يشغل مساحة كبيرة من السورة كذلك - فهو نقلة إلى معركة أخرى ليست باللسان والكيد والتدبير فقط ؛ ولكنها كذلك بالسيف والرمح والسنان. نقلة إلى " غزوة أحد " وأحداثها والتعقيبات عليها. في أسلوب هو أسلوب القرآن وحده ! وقد نزلت الآيات بعد المعركة ؛ فكانت مجالا لتجلية نواح متعددة من التصور الإيماني ؛ كما كانت مجالا لتربية الجماعة المسلمة على ضوء المعركة، وعلى ضوء ما كشفته من أخطاء في التصور، واضطراب في التصرف، وخلل في الصف.. وفرصة لتوجيه الجماعة المسلمة إلى المضي في طريقها، واحتمال تبعاتها، والارتفاع إلى مستوى الأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، والوفاء بشكر نعمة الله عليها في اصطفائها لهذا الأمر العظيم.
والمقطع الثالث عودة إلى أهل الكتاب، ونكولهم عن مواثيقهم مع النبي [ ص ] تلك المواثيق التي كان قد عقدها معهم أول مقدمه إلى المدينة ؛ والتنديد بانحراف تصوراتهم، وما اجترحوه من الآثام مع أنبيائهم كذلك. ثم تحذير الجماعة المسلمة من متابعتهم، وتثبيت القلوب المؤمنة على ما ينالها من الابتلاء في النفس والمال، وإيذاء أهل الكتاب والمشركين وتهوين شأن أعدائها على كل حال.
والمقطع الأخير يرسم صورة لحال المؤمنين مع ربهم، تمثل دبيب الإيمان في قلوبهم حين يواجهون آيات الله في الكون، ويتجهون إلى ربهم ورب هذا الكون بدعاء خاشع واجف. واستجابة ربهم لهم بالمغفرة وحسن الثواب. مع التهوين من شأن الكفار وما ينالونه من متاع قليل في هذه الأرض، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد..
وتختم السورة بدعوة من الله للذين آمنوا.. دعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى لعلهم يفلحون..
هذه المقاطع الأربعة المتلاحمة في السياق تكمل ما سبق عرضه من السورة [ في الجزء الثالث ] وتسير مع خطوطها الرئيسية العريضة التي فصلنا الحديث عنها هناك.. وسنتناولها بتفصيل خاص عند مواجهتها في السياق.
أما الشطر الثاني من هذا الجزء - وهو أوائل سورة النساء - فسنتحدث عنه - إن شاء الله - في موضعه. وبالله التوفيق..
في هذا الدرس تبلغ المعركة ذروتها. معركة الجدل والمناظرة مع أهل الكتاب. وهذه الآيات غير داخلة في نطاق مناظرة وفد نجران - كما ذكرت الروايات - ولكنها متساوقة معها، ومكملة لها، والموضوع واحد. وإن كانت آيات هذا الدرس تتمحض للحديث عن اليهود خاصة، وتواجه كيدهم ودسهم للجماعة المسلمة في المدينة. وتنتهي إلى الحسم القاطع، والمفاصلة الكاملة. حيث يتجه السياق بعد جولة قصيرة في هذا الدرس إلى الجماعة المسلمة يخاطبها وحدها ؛ فيبين لها حقيقتها، ومنهجها، وتكاليفها. على نحو ما سار السياق في سورة البقرة بعد استيفاء الحديث عن بني إسرائيل.. وفي هذه الظاهرة تشابه السورتان.
ويبدأ الدرس بتقرير أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - ويبدو أن هذا التقرير كان ردا على اعتراض بني إسرائيل على إباحة القرآن لبعض المحرمات اليهودية من الطعام. مع أن هذه المحرمات إنما حرمت عليهم وحدهم، في صورة عقوبة على بعض مخالفاتهم.
ثم يرد كذلك على اعتراضهم على تحويل القبلة - ذلك الموضوع الذي استغرق مساحة واسعة في سورة البقرة من قبل - فيبين لهم أن الكعبة هي بيت إبراهيم ؛ وهي أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة، فالاعتراض عليه مستنكر ممن يدعون وراثة إبراهيم !
وعقب هذا البيان يندد بأهل الكتاب لكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله ؛ ورفضهم الاستقامة، وميلهم إلى الخطة العوجاء، ورغبتهم في سيطرتها على الحياة، وهم يعرفون الحق ولا يجهلونه.
ومن ثم يدعو أهل الكتاب جملة ؛ ويتجه إلى الجماعة المسلمة، يحذرها طاعة أهل الكتاب.. فإنها الكفر.. ولا يليق بالمسلمين الكفر وكتاب الله يتلى عليهم، وفيهم رسوله يعلمهم. ويدعوهم إلى تقوى الله، والحرص على الإسلام حتى الوفاة ولقاء الله. ويذكرهم نعمة الله عليهم بتأليف قلوبهم، وتوحيد صفوفهم تحت لواء الإسلام، بعد ما كانوا فيه من فرقة وخصام، وهم يومئذ على شفا حفرة من النار أنقذهم منها الله بالإسلام. ويأمرهم بأن يكونوا الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. محافظة على تحقيق منهج الله، مع تحذيرهم الاستماع لدسائس أهل الكتاب فيهم، فيهلكوا بالفرقة كما تفرق هؤلاء فهلكوا في الدنيا والآخرة.. وتذكر الروايات أن هذا التحذير نزل بمناسبة فتنة معينة بين الأوس والخزرج قام بها اليهود.
ثم يعرف الله المسلمين حقيقة مكانهم في هذه الأرض، وحقيقة دورهم في حياة البشر :( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ).. فيدلهم بهذا على أصالة دورهم، وعلى سمة مجتمعهم.. يلي ذلك التهوين من شأن عدوهم فهم لن يضروهم في دينهم، ولن يظهروا عليهم ظهورا تاما مستقرا. إنما هو الأذى في جهادهم وكفاحهم، ثم النصر ما استقاموا على منهجهم. وهؤلاء الأعداء قد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعصية وقتل الأنبياء بغير حق.. ويستثني من أهل الكتاب طائفة جنحت للحق، فآمنت، واتخذت منهج المسلمين منهجا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات.. ( وأولئك من الصالحين ).. ويقرر مصير الذين كفروا فلم يجنحوا للإسلام ؛ فهم مأخوذون بكفرهم، لا تنفعهم أموال ينفقونها، ولا تغني عنهم أولاد، وعاقبتهم البوار.
وينتهي الدرس بتحذير الذين آمنوا من اتخاذ بطانة من دونهم، يودون لهم العنت، وتنفث أفواههم البغضاء، وما تخفي صدورهم أكبر، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ، ويفرحون لما ينزل بساحتهم من السوء ؛ ويسوؤهم الخير ينال المؤمنين.. ويعدهم الله بالكلاءة والحفظ من كيد هؤلاء الأعداء ما صبروا واتقوا ( إن الله بما يعملون محيط )..
ويدل هذا التوجيه الطويل، المنوع الإيحاءات، على ما كانت تعانيه الجماعة المسلمة حينذاك من كيد أهل الكتاب ودسهم في الصف المسلم ؛ وما كان يحدثه هذا الدس من بلبلة. كما أنه يشي بحاجة الجماعة إلى التوجيه القوي، كي يتم لها التميز الكامل، والمفاصلة الحاسمة، من كافة العلاقات التي كانت تربطها بالجاهلية وبأصدقاء الجاهلية !
ثم يبقى هذا التوجيه يعمل في أجيال هذه الأمة، ويبقى كل جيل مطالبا بالحذر من أعداء الإسلام التقليديين. وهم هم تختلف وسائلهم، ولكنهم لا يختلفون !
فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها.. هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض، ولتغليب الحق على الباطل، والمعروف على المنكر، والخير على الشر.. هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه، ووفق منهجه.. فهي التي تقررها الآية التالية :
( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون )..
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك " دعوة " إلى الخير. ولكن هناك كذلك " أمر " بالمعروف. وهناك " نهي " عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن " الأمر والنهي " لا يقوم بهما إلا ذو سلطان..
هذا هو تصور الإسلام للمسألة.. إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى.. سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر.. سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله.. سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر.. وتحقيق هذا المنهج يقتضي " دعوة " إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج. ويقتضي سلطة " تأمر " بالمعروف " وتنهى " عن المنكر.. فتطاع.. والله يقول :( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ).. فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان. فهذا شطر. أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره، زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب !
والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبريائهم. وفيهم الجبار الغاشم. وفيهم الحاكم المتسلط. وفيهم الهابط الذي يكره الصعود. وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد. وفيهم المنحل الذي يكره الجد. وفيهم الظالم الذي يكره العدل. وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة.. وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف، ويعرفون المنكر. ولا تفلح الأمة، ولا تفلح البشرية، إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفا، والمنكر منكرا.. وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى.. وتطاع..
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين : الإيمان بالله والأخوة في الله. لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة، وكلفها به هذا التكليف. وجعل القيام به شريطة الفلاح. فقال عن الذين ينهضون به :
( وأولئك هم المفلحون )..
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته. فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير. المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل. والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم.. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. والحق فيه أقوى من الباطل. والعدل فيه أنفع من الظلم.. فاعل الخير فيه يجد على الخير اعوانا. وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا.. ومن هنا قيمة هذا التجمع..
إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه. والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه.
والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص.. يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافا جوهريا أصيلا. فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة. لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية.
هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له ؛ فيحيا فيه هذا التصور، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه. وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة.
هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة. الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض.. والأخوة في الله. كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار. الإيثار المنطلق في يسر، المندفع في حرارة، المطمئن الواثق المرتاح.
وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين.. على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله - سبحانه - وتمثل صفاه في الضمائر ؛ وتقواه ومراقبته، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال. وعلى الحب. الحب الفياض الرائق، والود. الود العذب الجميل، والتكافل. التكافل الجاد العميق.. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا، لولا أنه وقع، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض. ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان !
وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان..