ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

المعنى الجملي كانت الآيات السالفة حجاجا مع أهل الكتاب و المشركين و إلزامهم بالحجة و بيانا لأحوال المؤمنين و تذكيرا لهم بما يكون من سوء العاقبة يوم القيامة يوم تبيض وجوه و تسود وجوه.
و الكلام في هذه الآيات تحذير للمؤمنين من مخالطة الكافرين مخالطة تدعو إلى الإباحة بالأسرار و الاطلاع على شؤون المسلمين مما يقضي المصلحة بكتمانه و عدم معرفة الأعداء له.
و مما دعا إلى هذا النهي أنه كانت بين المؤمنين و غيرهم صلات خاصة تدعو إلى الإباحة بالأسرار إليهم كالنسب و المصاهرة و الرضاعة و العهد و المحالفة- إلى أن من طبيعة المؤمن أن يبني أمره على اليسر و الأمانة و الصدق و لا يبحث عن عيوب غيره
و لكن لما كان المناصبين من أهل الكتاب و المشركين إطفاء نور الدعوة و إبطال ما جاء به الإسلام و المسلمين لم يكن لهم غرض هذه الدعوة بسائر الوجوه التي يرونها كفيلة بإعلاء.
كلمة الدين – اختلف المقصدان وافترق الغرضان فلم يكن من الحزم أن يفضي الإنسان بسره إلى عدوه ويطلعه على خطط التي يدبرها للفوز ببغيته على أكمل الوجوه وأحكمها وأقربها للوصول إلى الغرض ومن ثم حذر الله المؤمنين من اطلاع أعدائهم على أسرارهم لما في ذلك من تعريض مصلحة الملة للخبال و الفساد.
أخرج ابن إسحاق و غيره عن ابن عباس قال : كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الجوار و الحلف في الجاهلية فأنزل الله فيهم هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة.
و المس : أصله ما كان باليد كاللمس ثم سمى كل ما يصل إلى الشيء مسا فقالوا مسه التعب و النصب قال تعالى : و ما مسنا من لغوب ( ق : ٣٨ ) و قال : إذا مسكم الضر في البحر ( الإسراء : ٦٨ ) و الحسنة : المنفعة حسية كانت أو معنوية كصحة البدن و الفوز بالغنيمة و أعظمها انتشار الإسلام وحصول الألف بين المسلمين و السيئة الفقر و الهزيمة و حصول التفرقة بين الأقارب من ساء يسوء بمعنى قبح فهو سيئ و الأنثى سيئة قال تعالى : ساء ما يعلمون ( المائدة : ٦٦ ) و الكيد : الاحتيال و الإيقاع غيرك في مكروه و المحيط بالشيء : هو الذي يحيط به من كل جوانبه يراد به في حق الله العلم بدقائقه و تفاصيل و أجزائه فلا يعزب عنه شئ منه قال تعالى : و الله من ورائهم محيط ( البروج : ٢٠ ) و قال : والله محيط بالكفار ( البقرة : ١٩ )
إن تمسسكم حسنة تسؤهم و إن تصبكم سيئة يفرحوا بها أي إذا نالكم خير كانتصاركم على أعدائكم المقاومين لدعوتكم و دخول الناس في دين الله أفواجا أحزنهم ذلك و عز عليهم.
و إن نالتكم مساءة كالإخفاق في حرب أو إصابة عدو لكم أو حدوث اختلاف بين جماعتكم فرحوا بذلك.
قال قتادة في بيان ذلك : فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة و جماعة و ظهور على عدوهم غاظهم ذلك و ساءهم وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة و اختلافا أو أصيب طرف من أطرف المسلمين سرهم ذلك و أعجبوا به وابتهجوا و هم كلما خرج منهم و فيمن بقي إلى يوم القيامة اه.
و أن تصبروا و تتقوا لا يضركم كيدهم شيئا أي و إن تصبروا على مشاق التكاليف فتمتثلوا الأوامر و تتقوا كل ما نهيتم عنه و حظر عليكم- و من ذلك اتخاذ الكافرين بطانة- فلا يضركم كيدهم لأنهم قد و فيتم لله بعهد العبودية فهو يفي لكم بحق الربوبية و يحفزكم من الآفات و المخالفات كما قال سبحانه : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ( الطلاق : ٢-٣ )
قال بعض الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسدك فاجتهد في اكتساب الفضائل.
و قد جرت السنة القرآن أن يذكر الصبر في كل مقام يشق على النفس احتاله و لا شك أن حبس الإنسان سره عن وديده و عشيره و معامله و قريبه مما يشق عليه فإن من لذات النفوس أن تفضي بما في الضمير إلى من تسكن إليه و تأنس به.
و لما نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من دونهم من خلطائهم و عشرائهم و حلفائهم لما بدا منهم من البغضاء و الحسد- حسن أن يذكرهم بالصبر على التكليف الشاق عليهم و اتقاء ما يجب اتقاؤه من عواقب كيدهم.
و في الآية عبرة للمسلمين في معاملة الأعداء فإن الله أمر المؤمنين بالصبر على عداوة أولئك المبغضين الكافرين واتقاء شرهم و لم يأمرهم بمقابلة الشر بمثله إذ من دأب القرآن ألا يأمر إلا بالمحبة و الخير و دفع السيئة بالحسنة كما قال : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( فصلت : ٣٤ )
فإن تعذر تحويل العدو إلى محب بدفع سيئاته بما هو أحسن منها- جاز دفع السيئة بمثلها من بغي كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم مع بني النضير فإنه حالفهم ووادهم فنكثوا العهد و خانوا و أعانوا عليه عدوه من قريش و سائر العرب و حاولوا قتله فلم يكن هناك وسيلة لعلاجهم إلا قتالهم و إجلاؤهم من ديارهم.
إن الله بما يعملون محيط أي إنه تعالى عالم بعمل الفريقين و محيط بأسباب ما يصدر من كل منهما و مقدماته و نتائجه و غاياته فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر ولا يكمن أن يعرف أحدهما من نفسه ما يعلمه ذلك المحيط بعمله و عمل من يناهضه و يناصبه العداوة فهداية الله للمؤمنين خير وسيلة للوصول إلى إغراضهم و مآربهم.
و هذه الجملة كالعلة لكون الاستعانة بالصبر و التمسك بالتقوى شرطين للنجاح.
و خلاصة المعنى : إن الله قد دلكم ما ينجيكم من كيد أعدائكم فعليكم أن تمتثلوا و تعلموا أنه محيط بأعمالكم و هو القادر على أن يمنعهم مما يريدون بكم فثقوا به و توكلوا عليه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير