بلى إيجاب لما بعد لن أي بلى يكفيهم ذلك، ثم وعدهم بالزيادة بشرط الصبر والتقوى حثا عليهما وتقوية لقلوبهم إن تصبروا على القتال وتتقوا خلاف ما يأمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتوكم أي المشركون من فورهم هذا أي من ساعتهم هذه وهو في الأصل مصدر فارت القدر فورا إذا غلت فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا تراخي عنه والمعنى أن يأتوكم في الحال حال ضعفكم وقوتهم، قلت : الظاهر أن التقييد بالفور لا مفهوم له بل للترقي والمعنى أن يأتوكم بالتراخي بعد ما تقوون على قتالهم ينصركم الله بالطريق الأولى وأن يأتوكم من فورهم هذا أيضا يمددكم ربكم الإمداد إعانة الجيش بالجيش بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين روى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الشعبي : أنه بلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين فلم يمد المسلمين بخمسة آلاف والله أعلم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم مسومين بكسر الواو على وزن اسم الفاعل والباقون بالفتح على وزن اسم المفعول من التسويم بمعنى الإعلام، قال قتادة والضحاك : كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عمرو بن إسحاق مرسلا أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بدر :" تسوّموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوت الأبيض في قلانسهم ومغافرهم " وكذا أخرج ابن جرير وزاد وقال : وهو أول يوم وضع فيه الصوف أو بمعنى الإسامة يعني الإرسال يعني مرسلين، قال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم، وقال هشام بن عروة والكلبي : عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم، قال قتادة : فصبروا يوم بدر واتقوا فأمدهم بخمسة آلاف كما وعد، وقال الحسن : فهؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة يعني بفرط الصبر والتقوى، وقال ابن عباس ومجاهد : لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عددا ومددا، وقال جماعة وعد الله المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه أن يمدهم في حروبهم كلها فلم يصبروا إلا في : يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا قريظة والنضير، قال عبد الله بن أبي أوفى : كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله تعالى فلم يفتح لنا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبرائيل عليه السلام فقال وضعتم أسلحتكم ولم يضع الملائكة أوزارها ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدّنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ففتح لنا فتحا يسير، وقال الضحاك وعكرمة : كان قوله تعالى : إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم الآية حكاية عن يوم أحد وعدهم المد وإن صبروا واتقوا فلم يصبروا وخالفوا الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يمدوا، وعلى هذا قوله تعالى إذ تقول بدل ثان من إذ غدوت، وقال مجاهد والضحاك : معنى قوله تعالى من فورهم من غضبهم هذا لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر وقد أمد الله تعالى رسوله في تلك الوقعة بجبرائيل وميكائيل لصبره وتقواه، عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد " ١ متفق عليه، والرجلان جبرائيل وميكائيل. قال محمد بن إسحاق : لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقى سعد بن مالك يرمي وفتى شاب ينبل له فلما فني النبل أتاه به جبرائيل فتثره فقال أرم أبا إسحاق مرتين، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف.
التفسير المظهري
المظهري