١٢٠ أية :
نلحظ أن سورة آل عمران تحدثت عن وحدانية الله وجلاله وعن مظاهر قدرته ورحمته، وعن جوانب من قصة آل عمران وعن الشبهات التي ساقها اليهود وألوان الحرب النفسية وساقت للمؤمنين من التوجيهات والعظات ما يهدي قلوبهم ويصلح بالهم ويكفل لهم النصر على أعدائهم من خلال ١٢٠ آية من بداية السورة.
٦٠ آية :
ثم تحدثت سورة آل عمران عن جوانب متعددة من غزوة احد في حوالي ٢٠ آية من الآية ١٢١ إلى الآية ١٨٠.
قصة غزوة احد
كانت غزوة بدر من الغزوات المشهورة في تاريخ الدعوة الإسلامية فقد انتصر أتباعها انتصارا مؤزرا على كفار قريش.. وصمم المشركون على ان يأخذوا بثأرهم من المسلمين فجمعوا جموعهم وخرجوا في جيش كبير ومعهم بعض نسائهم حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال في القتال...
ووصل مشركو قريش ومعهم حلفاؤهم إلى أطراف المدينة في أوائل شوال من السنة الثالثة وكان عددهم يربو على ثلاثة آلاف رجل.
واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في شأن هؤلاء المشركين الزاحفين إلى المدينة. فكان من رأي بعضهم – ومعظمهم من الشباب – الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة.
وكان من رأي فريق آخر من الصحابة استدراج المشركين إلى أزقة المدينة ومقاتلتهم بداخلها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلى رأي الفريق الأول الذي يرى أصحابه الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة نظرا لكثرة عدد القائلين بذلك.
ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته ثم خرج منه لبس آلة حربه. وشعر بعض المسلمين أنهم قد استكرهوا النبي صلى الله عليه وسلم على القتال فاظهروا له الرغبة في النزول على رأيه إلا انه لم يستجب لهم وقال كلمته التي تعلم الناس الحزم وعدم التردد :" ما ينبغي لنبي لبس لأمته ان يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه لقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس وانظروا ما أمركم الله به فافعلوه.. " ٧٠.
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ألف مقاتل من المسلمين حتى نزل قريبا من جبل " أحد " إلا أن " عبد الله بن أبي سلول " انسحب في الطريق بثلث الناس محتجا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه بل أخذ برأي غيره.
وعسكر المسلمون بالشعب من أحد جاعلين ظهركم إلى الجبل ورسم النبي صلى الله عليه وسلم الخطة لكسب المعركة فجاءت خطة محكمة رائعة فقد وزع الرماة على أماكنهم وكانوا خمسين راميا وقال لهم انضحوا الخيل عنا بالنبل لا يأتوها من خلفنا إن كانت لنا او علينا فألزموا أماكنهم لا نؤتين من قبلكم ".
وفي رواية انه صلى الله عليه وسلم قال لهم :" احموا ظهورنا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا " ٧١.
وأخيرا التقى الجمعان وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه أن يجادلوا أعدائهم وأظهر المسلمون أسمى صور البطولة والإقدام وكان شعائرهم في هذا الالتحام " أمت أمت ".
وما هي إلا جولات في أوائل المعركة حتى ولي المشركون المسلمون الأدبار ولم يغن عن المشركين شيئا ما كانت تقوم به نسوتهم من تحريض واستنهاض للعزائم.
قال ابن إسحاق : ثم أنزل الله تعالى نصره وصدق وعده فحثوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها.
ورأى الرماة الهزيمة وهي تحل بقريش فتطلعت نفوسهم إلى الغنائم وحاول أميرهم " عبد الله بن جبير " أن يمنعهم عن ترك أماكنهم عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن معظمهم تركوا أماكنهم ونزلوا إلى ساحة المعركة ليشاركوا في جمع الغنائم والأسلاب...
وأدرك خالد ابن الوليد وكان مشركا أن ظهور المسلمين قد انكشفت بترك الرماة لأماكنهم فاهتبل الفرصة على عجل واستدار بمن معه من خيل المشركين خلف المسلمين فأحدق بهم واخذ في مهاجمتهم من مكان ما كانوا ليظنوا انهم سيهاجمون منه فقد كانوا يعتمدون على الرماة في حماية ظهورهم..
وعاد المشركون المنهزمون إلى مقاتلة المسلمين بعد ان رأوا ما فعله " خالد " ومن معه.
واضطربت صفوف المسلمين للتحول المفاجئ الذي حدث لهم إلا أن فريقا منهم اخذ يقاتل ببسالة وصبر.. واستشهد عدد كبير منهم وهم يحاولون شق طريقهم..
وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم خلال ذلك بجروح بالغة وأشيع أنه قد قتل إلا انه صلى الله عليه وسلم جعل يصيح بالمسلمين إلي عباد الله إلى عباد الله.. فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا ودافعوا عنه دفاع الأبطال المخلصين..
ومرت على المسلمين ساعة من احرج الساعات في تاريخ الدعوة الإسلامية فقد كان المشركون يهاجمون النبي صلى الله عليه وسلم بعناد وحقد وكان المسلمون مستميتين في الدفاع عن رسولهم وعن أنفسهم.
وكان لهذه الاستماتة آ ثار في تراجع المشركين وقد ظنوا أنهم قد أخذوا بثأرهم من المسلمين...
وخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون تراجع المشركين من أجل مهاجمة المدينة فقال لعل علي ابن أبي طالب اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون فإذا هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسرين إليهم ثم لأناجزنهم فيها.
قال علي : فخرجت في آثارهم فرايتهم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل واتجهوا إلى مكة.
وعندما انصرف أبو سفيان نادى : إن موعدكم بدر العام المقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل له : نعم بيننا وبينك موعد.
وانتهت غزوة أحد باستشهاد حوالي سبعين صحابيا من بينهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير. وسعد بن الربيع.... وغيرهم من الأبطال الذين صدقو ما عاهدوا الله عليه
١٢٥- بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .
المفردات :
من فورهم : أي من ساعتهم.
مسومين : مسومين بكسر الواو المشددة متخذين سمة أي علامة تميزهم وبفتحها بمعنى معلمين من الله تعالى.
التفسير :
بلى : أي نعم يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من الله ولكنه سبحانه يعدكم بأنكم إن تصبروا على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه ويأتوكم من فورهم هذا. أي ويعالجكم المشركون مسرعين ليحاربوكم وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم إذ فعلتم ذلك يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم او خيلهم بعلامات مخصوصة.
في أعقاب الآية :
إذا كان الله تعالى قد أمد المؤمنين بالملائكة في بدر فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين : او كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط :
يرى كثير من العلماء أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.
قال القرطبي : تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.
ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم وتقوية قلوبهم ولتخذيل المشركين وإلقاء الرعب في قلوبهم.
قال صاحب تفسير المنار :
ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل وإنما ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على انها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة.
وفسر هذا الإمداد بقوله عز وجل :
إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ( الأنفال ١٢ ).
قال ابن جرير الطبري في معنى التثبيت :
" يقول قووا عزمهم وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين ".
وقيل : كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم.
ونقل صاحب المنار نقولا كثيرة في تفسير هذه الآية وفي تفسير سورة الأنفال رجح فيها أن معونة الملائكة للمؤمنين كانت معنوية وان الملائكة لم تظهر القتال٧٧.
وقال النيسابوري :
أجمع أهل التفسير وأرباب السير انه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار وعن ابن عباس أنه لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيها سواء كانوا عددا ومددا لا يقاتلون ولا يضاربون ومنهم من قال إن نصر الملائكة بإلقاء الرعب في قلوب الكفار وبإشعار المؤمنين بأن النصر لهم.
هل هذه مناقشة مجدية :
في كتب التفسير الكبرى مثل تفسير الطبري والنيسابوري وفخر الدين الرازي وتفسير المنار نجد نقاشا قويا بحجج وأسانيد وأدلة عقلية ونقلية حول موضوعين :
الأول : هل أمد الله تعالى المؤمنين في غزوة بدر بهذا العدد المذكور في الآية ١٢٤-١٢٥ من سورة آل عمران ؟.
فبعض المفسرين يرى ان الله أمد المؤمنين في بدر بخمسة آلاف من الملائكة وقال آخرون لم يزد المدد على ألف من الملائكة.
الموضوع الثاني : هل باشرت الملائكة القتال بنفسها ام اقتصرت مهمتها على تثبيت المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين ؟
والذي يطمئن إليه القلب أن الله تعالى أمد المؤمنين وإن ذلك كان من أسباب النصر.
أما النقاش في عدد الملائكة يوم بدر وهل كان ألفا أو خمسة آلاف ؟ والنقاش في عمل الملائكة يوم بدر فهو لون من ألوان الترف العقلي إن الملائكة من عالم الغيب ويكفينا كتاب الله ويكفي المسلم أن يعتقد بأن الله أوحي للملائكة بأن تثبت المؤمنين وتساعدهم في اكتساب النصر ولا يضير المسلم ان يجهل عدد الملائكة التي تنزلت ولا يزيد في يقينه أن يعتقد ان الملائكة باشرت القتال أو اقتصرت مهمتها على التثبيت وآراء الفريقين تحتملها النصوص ولا يزيد أن نرجح رأي فريق بل نحن اقرب إلى التسليم والتفويض وقولنا آمنا به كل من عند ربنا.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة