ولما كان النصر في الجهاد لا يكون إلا بأكل الحلال وطاعة الكبير المتعال، قدم ذكر ذلك قبل الأمر بالقتال في قضية أحد، فقال :
يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا وتزيدوا فيها إذا حلَّ الأجل أضعافاً مضاعفة ، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يَحُلُّ أجلُ دَيْنِهِ، فيقول للمدين : إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنُهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال : واتقوا الله فيما نهيتكم عنه، لعلك تفلحون في الدارين.
ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه :
والله يحب المحسنين الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري :( الإحسان : أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر ). أي : يخص بلداً دون بلد. وقال سفيان الثوري :( ليس الإحسانُ أن تُحسنَ إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى مَن أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنقد السوق، خذ مني وهَات ). وقال السري السقطي :( الإحسان : أن تُحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان )، وأنشدوا٢ :لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا، حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام ويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ، لا عَفْوَ ذُلَّ، ولكن عَفْوَ أحلام.
وقال الورتجبي : قوله : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة... الخ، علم الحق - سبحانه - عِلَلَ الخلق وميلهم إلى مُنى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين : المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال : ففرّوا إلى الله ، ثم أعْلَم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام :" لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل : إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام : من قلة معرفتهم بربهم٣ ". ولذلك دعاهم إلى المغفرة. هـ. قال في الحاشية : وقوله :( أثبت بالآية ذنب الكل )، يعني : شمول قوله : يغفر لمن يشاء مَنْ في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله : دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله : سارعوا إلى مغفرة من ربكم ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضاً، وقد يتصور في حق الملائكة الاستنادُ لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله : نقصٌ لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علماً، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبداً سرمداً. هـ. ليس في كلَّ ساعةٍ وأوان تَتَهَيَّأ صنائعُ الإحسان فإذا أمْكَنَتْ فبادرْ إليها حذَراً من تعذُّر الإمْكَان
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي